تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وقد لطف اللّه تعالى به غايته أن يموت جوعا . فينبغي أن يعتقد أن الموت جوعا خير له في الآخرة مهما قضى اللّه تعالى عليه بذلك من غير تقصير من جهته ، فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة وعدمها ، ففي الخبر : « إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر اللّه تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا يتطير بحاره وابن عمه : من سبقني ؟ من دهاني ؟ وما هي إلا رحمة رحمة اللّه بها » ، ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه : لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا ، فإني لا أدري أيهما خير لي ، ومن لم يتكامل يقينه بهذه الأمور لم يتصور منه
شرح
شخص فسد حاله ودينه بسبب ماله وافتتانه به ، ( وقد لطف اللّه به ) . وهذا يرجع إلى الإيمان بسعة حكمة اللّه تعالى وهو واجب . ( وغايته أن يموت جوعا ، فينبغي أن يعتقد ) في قله ( أن الموت جوعا خير له في الآخرة مهما قضى اللّه عليه بذلك ) وقدره في الأزل ( من غير تقصير من جهته ) ، وهذا يرجع إلى الإيمان بالقدر خيره وشره وحلوه ومره وهو أيضا واجب ، ( فإن اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة وعدمها ) فصح توكله بناء على ما تقدم أن بعضهم قال : التوكل هو استواء الأمرين ، ( ففي الخبر : إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور ) الدنيا من ( التجارة ) وغيرها ( مما لو فعله لكان فيه هلاكه ، فينظر اللّه تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا فيظن ) وفي نسخة يتطير ( بجاره وابن عمه من سبقني من دهاني وما هي إلّا رحمة رحمه اللّه بها » ) هكذا هو في القوت . قال العراقي : رواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عباس بسند ضعيف جدا نحوه إلا أنه قال : « إن العبد ليشرف على حاجة من حاجات الدنيا الحديث . بنحوه انتهى . » قلت : لفظ الحلية : « إن الرجل ليشرف في التجارة والإمارة فيطلع اللّه عز وجل إليه من فوق سبع سماوات فيقول : اصرفوا هذا من عبدي فإني أن قيضته له أدخلته النار فيصبح قيظان بجيرانه من سبقني هكذا » . رواه من حديث ابن عباس . وقد رواه أيضا عن ابن مسعود موقوفا عليه . وروى الطبراني من حديث ابن عباس : « إن الرجل ليطلب الحاجة فيزويها اللّه عنه لما هو خير له فيتهم الناس ظالما لهم فيقول : من سبقني » . ( ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه : لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإني لا أدري أيهما خير لي ) فهذا إشارة إلى أن العبد على كل حال عاجز جاهل لا يدري بواظن أحواله ، والرب عالم قادر محيط بعمل العبد سره وجهره ، مقدر للأشياء خبير بخفايا الغيوب ، مطلع على حقائق الأحوال ، وقد روي نحو هذا القول عن عبد اللّه بن مسعود رواه الطبراني من طريق علي بن نديمة عن قيس بن جعفر عنه قال : ألا حبذا المكروهان الموت والفقر ، وما أبالي بأيهما ابتليت إن كان الغنى ان فيه للعطف وإن كان الفقر إن فيه للصبر . وقد رواه أبو نعيم في الحلية من طريقه . ( ومن لم يتكامل يقينه بهذه الأمور لم يتصور منه التوكل ) وبه يعرف أن التوكل لا يختص