تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
قد أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فضلا عما كان استأجره عليه فرده فلما ولّى قال له أحمد : الحقه وأعطه فإنه يقبل ، فلحقه وأعطاه فأخذه ، فسأل أحمد عن ذلك فقال : كان قد استشرفت نفسه فردّ ، فلما خرج انقطع طمعه وأيس فأخذ . وكان الخوّاص رحمه اللّه إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس لذلك لم يقبل منه شيئا . وقال الخواص بعد أن سئل عن أعجب ما رآه في أسفاره : رأيت الخضر ورضي بصحبتي ولكني فارقته ، خيفة أن تسكن نفسي إليه فيكون نقصا في توكلي . فإذا المكتسب إذا راعى آداب الكسب وشروط نيته كما سبق في كتاب الكسب ، وهو أن لا يقصد به الاستكثار ولم يكن اعتماده على بضاعته وكفايته كان متوكلا .
شرح
صاحبه ( أبا بكر المروزي ) نسبة إلى مرو الروز مدينة بخراسان والنسبة على الاختصار ( أن يعطي بعض الفقراء شيئا فضلا عما كان استأجره عليه ) فأعطاه ( فردّه ) ولم يأخذه ، ( فلما ولى ) الفقير بظهره ومشى ( قال له أحمد : الحقه فاعطه فإنه يقبل ) الآن ( فلحقه فأعطاه فأخذه فسأل ) المروزي ( أحمد عن ذلك ) أي كيف رد في الأول وأخذ في الثاني ( فقال ) : إنه ( كان قد استشرفت نفسه ) لذلك ( فردّ وكان قد أحسن ) فلما خرج منصرفا ( انقطع طمعه وأيس فأخذه ) لذلك كذا في القوت . وللعارفين في ذلك أحوال متفاوتة ؛ فقد كان بعضهم من المتوكلين كذلك إذا جاءه السبب بعد تطلع إليه رده ، ومنهم من كان يأخذه فيخرجه ولا يتناول منه عقوبة لنفسه وتأدبا لها . ( وكان ) إبراهيم ( الخواص ) رحمه اللّه تعالى ( إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس لذلك لم يقبل منه شيئا ) نقله صاحب القوت قال : وحدثني شيخ عن رجل دفع إليه دينارا بمكة وهو لا يعرفه فقبله ، فلما كان الغدر أي حوله جماعة من الفقراء فسأل عنه فقيل : إبراهيم الخواص فجاءه بالتسعة الأخر وكان قد أعد العشرة له فلم يقبل ، وقال صوفي : لا يكون بحريف . ( وقال الخواص ) رحمه اللّه تعالى ( بعد أن سئل عن أعجب ما رآه في أسفاره ) وكان كثير الأسفار في البوادي المنقطعة والطرق المجهولة فقال : ( رأيت الخضر ورضي بصحبتي ولكني فارقته خشية أن تسكن نفسي إليه فيكون نقصا في توكلي ) ، فكان لقيه للخضر امتحانا له من اللّه تعالى به في دعوى مقام التوكل فتثبت ، وإلا فالخضر مستغن عن صحبته لكمال قوته ، وهذا القول أخرجه القشيري في الرسالة قال : وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت منصور بن أحمد يقول : حكى لنا ابن أبي الشيخ قال : سمعت عمر بن سنان يقول : اجتاز بنا إبراهيم الخواص فقلنا له : حدثنا بأعجب ما رأيت في أسفارك . فقال : لقيني الخضر فسألني الصحبة فخشيت أن يفسد علي توكلي لسكوني إليه ففارقته . ( فإذا المكتسب إذا راعى آداب الكسب وشروط نيته كما سبق في كتاب ) آداب ( الكسب ) والمعاش ، ( ولم يقصد به الإستكثار ) والإدخار ( ولم يكن اعتماده على بضاعته