الكسب ، وما كان المتوكلون يأخذون ما تستشرف إليه نفوسهم . كان أحمد بن حنبل
شرح
حكمه ، وليس الخبر كالمعاينة ، ولا المجاورة كالمباشرة ، والاستتار كالإظهار ، ولا المعاين كالمخبر .
والتكسب ليس بفرض ، وقد يفترض بأحد معنيين : بوجود العيال مع عدم كفايتهم عن وجه من الوجوه ، أو بأن يقطع عدمه عن فرض ويضعف عنه مع فقد ما يقام به الفرض مما لا بد منه ، ولقد كان أبو معاذ رحمه اللّه يقول : ترك المكاسب مع الحاجة إليها كسل والكسب مع الاستغناء عنه كلفة .
وقال في موضع آخر من كتابه : وبعض العارفين يفضلون من لا معلوم له على من له معلوم ، وهؤلاء يرون ترك التكسب أفضل والسكون عن التحرك أعلى ، لأن ذلك معلوم ويعد هؤلاء سكون القلب مع وجود المعلوم علة ، ولكن إذا سكن قلبه مع غير معلوم واجتمع همه وانقطع طمعه في حال المعدوم ، فهذا هو المقام . ولعمري التحقيق أن الحركة في طلب المضمون للخصوص عقوبة فقد سكون القلب إلى الرب ، كما أن ترك الحركة في أعمال البر والقربات عقوبة سكون النفس إلى حظوظ الشهوات والعدول من القول في تفصيل ترك التكسب وفعله ، وفقد المعلوم ووجده أن العبد لا يفضل بفقد الغنى ووجد الفقر ولا يشرف بالقعود عن الحركة من غير إقعاد ولا يعلو بالتحرك إلى الأسباب بغير إيجاد ، وإنما يوصف في ذينك بالفقر أو الإباحة ، لكن يفضل بحاله من مقامه من زهد أو رضا أو صبر وتوكل أو اقتطاع لخدمة أو إقامة بشغل متصل بصدق معاملة ؛ فبهذه المعاني يقع التفضيل عند العلماء فإن كان ذو المعلوم والتصرف أحسن معرفة وأقوى يقينا فضل على من لا معلوم له ممن نقصت معرفته ولا يكون سكون القلب وطمأنينة النفس أيضا مع وجود المعلوم علة في الحال إذا ثبت المقام وصح القصد وحسن التصرف والعقد ، ولكن لا يكون مقاما يرفع به ولا حالا يفضل فيه عند طائفة من العارفين ، إلا أن الطمع في الخلق وتشبث القلب مع وجود معلوم أو الكفاية نقصان عند الكل ، وقطع الطمع في الخلق وفقد الشرف إلى معتاد منهم أو مألوف بهم واجتماع القلب مع العدم وفقد المعلوم أفضل وأعلى عند الجماعة ، فأما سكون القلب واجتماع الهم وفقد الاستشراف إلى الخلق مع العيال وثبوت الأحكام فهو أفضل وأشرف ، وهذا حال الأقوياء وطريق الأنبياء اتفقوا على ذلك . وأما اضطراب القلب وتفرقة الهم مع وجود العيال ، فإن كان لأجلهم والقيام بحكم اللّه فيهم فلا نقص فيه وقد يؤجر عليه ، وأما شتات الهم وتفرق القلب ووجد الاهتمام في حال الوحدة للمنفرد فنصيب من الرغبة موفور وصاحبه فيه غير معذور ، وقد يكون مأزورا ؛ فهذه النصوص كلها شواهد لسياق المصنف ثم قال :
( وما كان المتوكلون يأخذون ما تستشرف إليه نفوسهم ) لأن فيه طمعا في غير مطمع ونظرا إلى غير اللّه تعالى وإتيانا للبيوت من غير أبوابها ، وقد شرط النبي صلّى اللّه عليه وسلم للعطاء ترك المسألة والاستشراف إلى الخلق تنزيها للفقراء وردا لهم إلى اللّه عز وجل ، ولما منعوا منهما جعل لهم هذا العطاء وبذلوا إلى قبوله عوضا لهم عنها ، كما جعل للأشراف خمس الخمس من الغنائم لما حرمت عليهم الصدقة تشريفا لهم وتفضيلا ، وقد ( كان أحمد بن حنبل ) رحمه اللّه تعالى ( قد أمر )