استعنت على رزقك بالمغازل أرأيت أن أخذ اللّه سمعك وبصرك الرزق على من ؟ فوقع ذلك في قلبه فأخرج آلة المغازل من يده وتركها ، وقيل : تركها لما نوهت باسمه وقصد لأجلها ، وقيل : فعل ذلك لما مات عياله كما كان لسفيان خمسون دينارا يتجر فيها ، فلما مات عياله فرّقها .
فإن قلت : فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن إليها وهو يعلم أن الكسب بغير بضاعة لا يمكن ؟
فأقول : بأن يعلم أن الذين يرزقهم اللّه تعالى بغير بضاعة فيهم كثرة ، وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة ، وأن يوطن نفسه على أن اللّه لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه ، فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو تركه كان سببا لفساد دينه .
شرح
الصواب فيه ، وإلى أي شيء ينسب ولا عرفت هذا الرجل ( كاتبه قال : بلغني أنك استعنت على رزقك بالمغازل ) أي بصنعتها وبيعها . ( أرأيت إن أخذ اللّه سمعك وبصرك الرزق على من ؟ فوقع ) وفي نسخة فوقر ( ذلك في قلبه ) بشاهد منه ( فأخرج آلة المغازل من يده وتركها ) وترك التكسب بها . كذا في القوت . ( وقيل ) : بل ( تركها لما نوّهت باسمه وقصد لأجلها ) وطلبت لأجله ، فقيل : المغازل البشرية كذا في القوت ، وقيل . فأي هذين كان قد أنهج له طريق سلكه بعد الطريق الأول ، ( وقيل ) : بل ( فعل ذلك لما مات عياله ) أي زوجته وأولاده ، فإنه ما كان أبيح له التكسب إلا لأجلهم ، ( كما كان لسفيان ) الثوري رحمه اللّه تعالى ( خمسون دينارا يتجر فيها ، فلما مات عياله فرقها ) ولفظ القوت : وقد كان للثوري خمسون دينارا يتجر له بها ، ثم أخذها في آخر أمره ففرّقها على إخوانه وترك التكسب ويقال : إنه فعل ذلك لما مات عياله ، وكان قد بقي بعدهم وحيدا . وقال زافر بن سليمان : كان لسفيان عندي ثلاثمائة درهم بضاعة ، فكنت أبضع له بها فقال ذات يوم : هاتها فجعلها صررا وقسمها انتهى . وقد تقدم عن سهل أيضا أنه كان له أرض يزرعها في آخر أمره باعها وفرق ثمنها على المساكين .
( فإن قلت : كيف يتصور أن يكون له بضاعة وهو لا يسكن إليها وهو يعلم أن الكسب بغير بضاعة لا يمكن ) ؟ والجواب عن ذلك سهل لأنا نقول : السكون على قسمين : سكون بالظاهر وسكون بالباطن ، فالذي يخرج عن التوكل هو سكون أنس بباطن قلبه مشاهد ربه مفوض له أمره معتمد عليه فلا يخرج به عن التوكل ، وقد قرره المصنف فقال : ( فأقول : بأن يعلم أن الذين يرزقهم اللّه تعالى بغير ) وفي نسخة من غير ( بضاعة فيهم كثرة ، وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة وأن يوطن نفسه على أن اللّه لا يفعل إلا ما فيه صلاحه ، فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو تركه كان سببا لفساد دينه ) فكم من