تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
فالكسب أولى لأن استشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب وتركه أهم من ترك
شرح
الخامس : قوة القلب على الاتكال على اللّه تعالى ، فلو جرى ما جرى لا يتحرك قلبه في باطنه أصلا ، وهذا الشرط روح الأربعة المذكورة . وقد فصل المصنف ما ذكرناه فقال : ( وإن كان يضطرب قلبه في البيت ويستشرف إلى الناس ) بما يأتي منهم ؛ ( فالكسب أولى لأن ) اضطراب القلب يشعر عن عدم قوة قلبه على الاتكال على مولاه ، و ( استشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب ) وهو عندهم أشد من سؤال اللسان ، ( وتركه أهم من ترك الكسب ) . وشواهد ما ذكر المصنف في كلام القوم ففي القوت ، قال بعض المتوكلين : من فقد الأسباب فضعف قلبه أو كان وجودها أسكن لقلبه من عدمها لم يصح له القعود عن المكاسب ، لأن فيه انتظارا لغير اللّه تعالى . وقال بعض العلماء : من طرقته فاقة سبعة أيام فتصوّر قلبه طمعا في خلق أو تشرفا إلى عبد فالسوق أفضل من المسجد . وقال أبو سليمان الداراني : لا خير في عبد لزم القعود في البيت وقلبه معلق بقرع الباب حتى يطرق بسبب . وقال بعض علمائنا : إذا استوى عنده وجود السبب وعدمه وكان قلبه ساكنا مطمئنا عند العدم لم يشغله ذلك عن اللّه ولم يتفرق همه ، فترك الكسب والقعود لهذا أفضل لشغله بحاله وتزوده لمعاده رقد صح له مقام في التوكل . وقال سهل وقد سئل متى يصح للعبد التوكل ؟ فقال : إذا دخل عليه الضر في جسده والنقص في ماله فلم يلتفت إليه ولم يحزن عليه شغلا بحاله ونظرا إلى قيام اللّه عليه . وقال الخواص في كتاب التوكل : لا ينبغي للصوفي أن يتعرض للقعود عن الكسب إلا أن يكون مطلوبا قد أغنته الحال عن المكاسب ، وأما ما كانت الحاجات فيه قائمة ولم يقع له عزوف يحول بينه وبين التكلف فالعمل أولى به والكسب أجل له وأبلغ ، لأن القعود لا يصلح لمن لم يستغن عن التكلف يعني أن يكون قد كفى بالكفاية القاطعة من قلبه عن التكلف الظاهر من جوارحه ، وأن تكون حاله قوية تحمله بالصبر والرضا لا يضعف إلى تطلع وتشرف بقول : فمعلوم هذا من كسبه الذي أحل به أفضل له من طمعه في غيره الذي كره له هذا كله كلام الخواص . وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور : ولم يؤت المريدون إلا من جهتين من قلة الصدق وإصابة الحق ومن ركون الأدلة إلى الدنيا ، فدلوهم على علوم أنفسهم ، وصدق المريد في إيثار الخمول ولزوم الباب وفراغ القلب وخوف فوت الوصول والتارك للتكسب والتصرف في الأسواق إذا كان في أدنى كفاية وأعين بالصبر والقناعة في مثل زماننا هذا أفضل وأتم من المكتسب إذا خاف أن لا ينال المعيشة إلا بمعصية اللّه تعالى من دخول في شبهة أو خيانة لإخوانه المسلمين ، ولأنه قد تعذر القيام بشرط العلم مع مباشرة الأسباب وكثرة دخول الآفات والفساد في الإكتساب ، فترك مباشرة أهل الأسواق ومخالطتهم على هذا الوصف المكروه أقرب إلى السلامة لبعده من رؤية الأسباب وفقد مباشرتها ، لأن الحكم متعلق بالرؤية ومثل الحرام مثل المنكر إذا لم تره سقط عنك