تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
التوكل ، ولذلك قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري : لي من كل مقام نصيب إلا من هذا التوكل المبارك فإني ما شممت منه رائحة . هذا كلامه مع علو قدره ، ولم ينكر كونه من المقامات الممكنة ولكنه قال : ما أدركته ولعله أراد إدراك أقصاه وما لم يكمل الإيمان بأن لا فاعل إلا اللّه ولا رازق سواه ، وأن كل ما يقدره على العبد من فقر وغنى وموت وحياة فهو خير له مما يتمناه العبد لم يكمل حال التوكل ، فبناء التوكل على قوة الإيمان بهذه الأمور - كما سبق - وكذا سائر مقامات الدين من الأقوال والأعمال تنبني على أصولها من الإيمان . وبالجملة ؛ التوكل مقام مفهوم ولكن يستدعي قوة القلب وقوة اليقين ، ولذلك قال سهل : من طعن على التكسب فقد طعن على السنّة ، ومن طعن على ترك التكسب فقد طعن على التوحيد . فإن قلت : فهل من دواء ينتفع به في صرف
شرح
بترك الأسباب وترك الإدخار ، بل يعم أبواب الإيمان والعلوم والمعارف والأحوال ، ( ولذلك قال أبو سليمان الدارانى لأحمد بن أبي الحواري ) رحمة اللّه عليهما ، وابن أبي الحواري تلميذه : ( لي من كل مقام نصيب إلا من هذا التوكل المبارك فإني ما شممت منه رائحة ) ولفظ القشيري : يا أحمد إن طرق الآخرة كثيرة وشيخك عارف بكثير منها إلا هذا التوكل المبارك ، فإني شممت منه رائحة انتهى . ولفظ القوت : وكان سهل يقول : ليس في المقامات أعز من التوكل ، وقد ذهبت الأنبياء بحقيقته وبقي منها صبابة استفها الصديقون وبعض الشهداء ، فمن تعلق بشيء منه فهو صديق أو شهيد . وقال أبو سليمان الداراني : في كل المقامات لي قدم إلا هذا التوكل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح ( هذا مع علو قدره ) في مقام التوكل وغيره من المقامات ( ولم ينكر كونه من المقامات الممكنة ، ولكنه قال : ما أدركته ولعله أراد إدراك أقصاه ) وفيه دلالة على كمال أبي سليمان وإقراره على نفسه بأن التوكل أعلى المقامات وأعلاه الذي هو التفويض أو التسليم لم يتمكن فيه بعد ، أما حقيقة أو تأديبا لنفسه بتقصيرها في نيلها أعلى المقامات ، وأما تأدبا وتبرأ من حوله وقوّته وهو اللائق بحاله وكمال معرفته ، ( وما لم يكمل الإيمان بأن لا فاعل إلا اللّه ولا رازق سواه ، وإن كان ما يقدره ) سبحانه ( على العبد من فقر وغنى وموت وحياة ) وقبض وبسط ( فهو خير له مما يتمناه العبد لم يكمل حال التوكل فمبنى التوكل على قوة الإيمان بهذه الأمور كما سبق ) في التوحيد ، فإن قوي إيمانه قوي توكله ، ( وكذا سائر مقامات الدين من الأقوال والأعمال تنبني على أصولها من الإيمان وبالجملة التوكل مقام مفهوم ولكن يستدعي قوة القلب وقوة اليقين ، ولذلك قال سهل ) التستري رحمه اللّه تعالى : ( من طعن على التكسب فقد طعن على التوحيد ) . ولفظ القوت : وقد كان أبو حامد يقول : من أنكر التكسب فقد طعن في السنّة ، ومن أنكر