فإن لم يكن معلوم ووقف وأمروا الخادم بالخروج للطلب لم يصح معه التوكل إلا على ضعف ، ولكن يقوى بالحال والعلم كتوكل المكتسب ، وإن لم يسألوا بل قنعوا بما يحمل إليهم بهذا أقوى في توكلهم لكنه بعد اشتهار القوم بذلك فقد صار لهم سوقا ، فهو كدخول السوق ، ولا يكون داخل السوق متوكلا إلا بشروط كثيرة كما سبق .
فإن قلت : فما الأفضل أن يقعد في بيته أو يخرج ويكتسب ؟
فاعلم أنه إن كان يتفرغ بترك الكسب لفكر وذكر وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة وكان الكسب يشوّش عليه ذلك وهو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل عليه فيحمل إليه شيئا بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على اللّه تعالى ، فالقعود له أولى . وإن كان يضطرب قلبه في البيت ويستشرف إلى الناس
شرح
من ) وصف ( التوكل ، فإن لم يكن ) هناك ( معلوم ) معين ( و ) لا ( وقف ) حبس عليها ( وأمر الخادم بالخروج للطلب ) والسؤال ( لم يصح معه التوكل إلا على ضعف ) لاستناد القلب في الجملة إلى ما يأتي به الخادم ، ( ولكن يقوى بالحال والعلم ) بعدم الركون وإسقاط النظر عن الوسائط ، فيكون ( كتوكل المكتسب ) كما سبق ( وإن لم يسألوا ) بأنفسهم ولا بواسطة الخادم ، ( بل قنعوا بما يحمل إليهم ) من حيث لم يحتسبوا ؛ ( فهذا أقوى في توكلهم لكنه بعد اشتهار القوم بذلك فقد صار لهم سوقا ، فهو كدخول السوق ) أي في حكمهم ( ولا يكون داخل السوق متوكلا إلا بشروط كثيرة ) كما سبق قريبا في كتاب الكسب .
( فإن قلت : فما الأفضل ) في حق السالك ( أن يقعد في بيته أو يخرج ) إلى السوق ( ويكتسب ) ؟
( فاعلم أنه إن كان ) ممن ( يتفرغ فترك الكسب لفكر وذكر ) ومراقبة ( وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة ) ما بين صلاة وقراءة ، ( وكان الكسب يشوش عليه ذلك ) ويفرق وقته وهمته ، ( وهو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل ) إلى البيت ، ( فيحمل إليه شيئا ) من الدنيا ، ( بل يكون قوي القلب في الصبر ) على شدائده ( والاتكال على اللّه تعالى ، فالقعود له ) بهذه الشروط ( أولى ) من الخروج والكسب ، فهذه شروط خمسة .
الأول : تفرغ القلب للذكر والفكر وهذا هو الأصل .
والثاني : كون الكسب مما يمنع من هذا التفرغ فإن كان لا يمنع فالخروج أولى .
الثالث : عدم تشوّف النفس إلى ما يأتي بواسطة الناس ، فإذا تشوفت فالخروج أولى .
الرابع : قوة القلب في الصبر أي حتى على الموت على هذه الحالة إن لم يأته رزقه ، فإذا لم يكن عنده الصبر على ذلك فالخروج أولى .