وراء الزهد . وقال أبو جعفر الحداد وهو شيخ الجنيد رحمة اللّه عليهما وكان من المتوكلين : أخفيت التوكل عشرين سنة وما فارقت السوق . كنت اكتسب في كل يوم دينارا ولا أبيت منه دانقا ولا أستريح منه إلى قيراط أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل الليل . وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرته وكان يقول : استحيي أن أتكلم في مقامه وهو حاضر عندي . واعلم أن الجلوس في رباطات الصوفية مع معلوم بعيد من التوكل ،
شرح
وقال صاحب القوت : الزهد من شرط خصوص التوكل وليس التوكل من شرط عموم الزهد ، فكل متوكل ذي مقام زاهد لا محالة ، وليس كل زاهد ذي مقام متوكلا ، لأن التوكل مقام في الزهد والزهد حال والمقامات للمقربين ، والأحوال في أصحاب اليمين إلا أنه من أعطي حقيقة الزهد ، فإنه يعطى التوكل لا محالة ، لأن حقائقه الأحوال وثبوتها ودوام استقامة أهلها ولزومها لقلوبهم هي مقامات .
( وقال أبو جعفر ) كذا في النسخ وفي بعضها أبو حفص عمر بن مسلم ويقال عمرو بن مسلم ( الحداد ) النيسابوري ، والمعروف أنه أبو حفص لا غير ، ( وهو شيخ الجنيد ) في التصوف ( رحمة اللّه عليهما . وكان من المتوكلين : أخفيت التوكل عشرين سنة وما فارقت السوق ، كنت أكتسب في كل يوم دينارا ) أو عشرة دراهم ، ( ولا أبيت منه دانقا ، ولا أستريح منه إلى قيراط ادخل به الحمام ، بل أخرجه كله قبل ) دخول ( الليل . وكان الجنيد ) رحمه اللّه تعالى يتأدب معه كثيرا ، وكان ( لا يتكلم في التوكل بحضرته وكان يقول : أستحيي ) من اللّه ( أن أتكلم في مقامه ) أو حاله ( وهو حاضر عندي ) كذا في القوت . وبلغني أنه ترك العمل لما نظر إليه الغلام الذي كان ينفخ عليه الكير فرآه يدخل يده في الكير وهو يتلظى ، فيخرج الحديد جمرا ويرده إلى الكير فغشي على الغلام ثم حدث به الناس وكانوا يغتابونه وينظرون إليه فترك الصنعة .
قال : وبلغني في سبب هذا أنه سئل بأي شيء نلت هذه المنزلة أن لا تحرقك النار ؟ فقال : بدعوة فاسق ، فقيل كيف هذا ؟ قال : وجدت مع أهلي رجلا ففزعا مني شديدا فأخذت بأيديهما وقلت :
أخرجا بسلام ، فقال لي الرجل : جعل اللّه عليك النار بردا وسلاما ، فهذا من إجابة دعوته بستري على مسلم .
ولفظ القشيري في الرسالة : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول :
سمعت محمد بن عبد اللّه الفرغاني يقول : سمعت أبا حفص الحداد يقول : مكثت بضع عشرة سنة اعتقد التوكل وأنا أعمل في السوق وآخذ كل يوم أجرتي ولا أنتفع منها بشربة ماء ولا بدخلة حمام ، وكنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في مسجد الشونيزية وأكون على حالتي ا ه .
وهذا مقام بالغ في التوكل لأن من عرف بالكسب والاستغناء عنه بالنسبة لمن لم يعلم ذلك انصرف الناس عن مساعدته في شيء من الدنيا .
( واعلم أن الجلوس في رباطات الصوفية ) وزوايا المساجد ( مع معلوم ) معين ( بعيد