مقام التوكل ، فمن أولى بهذا المقام منه فدل على أنه كان متوكلا باعتبار ترك الكسب والسعي بل باعتبار قطع الالتفات إلى قوّته وكفايته والعلم بأن اللّه هو ميسر الاكتساب ومدبر الأسباب وبشروط كان يراعيها في طريق الكسب من الاكتفاء بقدر الحاجة من غير استكثار وتفاخر وادخار ومن غير أن يكون درهمه أحب إليه من درهم غيره ، فمن دخل السوق ودرهمه أحب إليه من درهم غيره فهو حريص على الدنيا ومحب لها ولا يصح التوكل إلا مع الزهد في الدنيا . نعم يصح الزهد دون التوكل ، فإن التوكل مقام
شرح
حاله ومقتضى علمه ، ( ويستحيل أن يقال لم يكن الصديق ) رضي اللّه عنه ( في مقام التوكل ، فمن أولى بهذا المقام منه ) وهو إمام الأئمة وقطب الصديقين ، ( فدل على أنه كان متوكلّا لا باعتبار ترك الكسب والسعي ، بل باعتبار قطع الالتفات إلى قوته وكفايته ، والعلم بأن اللّه هو ميسر الاكتساب مدبر الأسباب ) ، وبأنه انتقل من الحكم الأول إلى الأمر الثاني بحكم حاكم أوجبه عليه وبتصريف الوكيل على توكيله فيه ، ( وبشروط كان يراعيها في طريق الاكتساب من الاكتفاء بقدر الحاجة من غير استكثار وتفاخر وادخار ) لغد ، ( ومن غير أن يكون درهمه أحب إليه من درهم غيره ) إلى غير ذلك مما تقدم في آداب الكسب ، ( فمن دخل السوق ودرهمه أحب إليه من درهم غيره فهو حريص على الدنيا محب لها ) راغب فيها بصفة من المعاني بمقدار ما بقي فيه من الشهوات . وفي القوت قال بعض العلماء : إذا دخل العبد السوق وكان درهمه أحب إليه من درهم غيره لم ينصح للمسلمين في المبايعة وهذا عنده يخرجه من التوكل ، ( ولا يصح التوكل إلا مع الزهد في الدنيا . نعم ، يصح الزهد دون التوكل ، فإن التوكل مقام وراء الزهد ) .
اعلم أن المتوكل إن قنع بما تقوم به بنيته اعتمد على اللّه تعالى وانقطع لعبادته وإن لم يقنع بذلك لم تنتج معرفته حالا لأن إنتاج الأحوال مركب من علم وعمل ، ولذلك ذهب جماعة من المشايخ إلى أن الزهد شرط في توسلا إلى قطع وسوسة العدو ، لأن الشيطان لا سلطان له على القلب إلا بواسطة الدنيا وتوسلا إلى ترك ، وهذا كلام ظاهر ساطع النور لولا اختلاف الأحوال في القوة والضعف ، فمن العباد من لا يتأتى له التوكل إلا بالزهد فهو شرط في حقه ، ومن العارفين والمقربين والصديقين من يتأتى له ويرتقي عنه إلى غيره وهو يملك مثلا من المشرق إلى المغرب ، ووجه آخر : أن التوكل لا يتعلق بنفس الرزق وحده بل بجملة أحوال العبد الموطنة بالدنيا ، وفي الآخرة حتى الإيمان والعلوم والمعارف وكل نعمة للّه على عبده يستحب التوكل على اللّه في حفظها ودوامها والازدياد منها ، وعلى الجملة ؛ فالزهد يعين على التوكل إعانة عظيمة ، وإنما منعنا اشتراطه مطلقا إذ الشرط عبارة عما لا يتأتى المشروط إلا بوجوده في كل حال .