تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
جميعه في لحظة ، بل يكون نظره إلى الكفيل الحق بحفظ جميع ذلك وتيسير أسبابه له ، بل يرى كسبه وبضاعته وكفايته بالإضافة إلى قدرة اللّه تعالى كما يرى القلم في يد الملك الموقع فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك أنه بما ذا يتحرك وإلى ما ذا يميل وبم يحكم ؟ ثم إن كان هذا المكتسب مكتسبا لعياله أو ليفرق على المساكين فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع ، فحال هذا أشرف من حال القاعد في بيته . والدليل على أن الكسب لا ينافي حال التوكل إذا روعيت فيه الشروط وانضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق أن الصديق رضي اللّه عنه لما بويع بالخلافة أصبح أخذ الأثواب تحت حضنه والذراع بيده ودخل السوق ينادي حتى كرهه المسلمون وقالوا : كيف تفعل ذلك وقد أقمت لخلافة النبوّة ؟ فقال : لا تشغلوني عن عيالي فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، فلما رضوا بذلك رأى مساعدتهم وتطييب قلوبهم واستغراق الوقت بمصالح المسلمين أولى ، ويستحيل أن يقال : لم يكن الصديق في
شرح
الكفيل الحق ) والوكيل المطلق جل جلاله ( بحفظ جميع ذلك وتيسير أسبابه له ، بل يرى كسبه وبضاعته وكفايته بالإضافة إلى قدرة اللّه تعالى كما يرى القلم في يد الملك الموقع ) على الكاغد ، ( فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك ) الموقع ( أنه بما يتحرك وإلى ما ذا يميل وبكم يحكم ) ؟ فالنظر إلى القلب دون الملك قصور وجهل ، ( ثم إن كان هذا المكتسب مكتسبا لعياله ) إن كان معيلا ( أو ليفرق على المساكين ) إن كان منفردا ( فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع ، فحال هذا أشرف من حال القاعد في بيته ) أو في مسجد أشار إليه الخواص في كتاب التوكل وسيأتي قريبا بيان عبارته ، ( والدليل على أن الكسب لا ينافي حال التوكل إذا روعيت فيه الشروط وانضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق أن ) النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف فقال له سعد : أشاطرك أهلي ومالي ، فقال عبد الرحمن : بارك اللّه لك في أهلك ومالك دلوني على السوق ، فعمل يومه ذلك فراح بشيء من سمن وإقط ، فلو كان التكسب في الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله ، ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم واختيار إيثار أخيه بما آثره به رعاية لحق أخوته ، وأعلى منه مقاما ما روى أن أبا بكر ( الصديق رضي اللّه عنه لما بويع بالخلافة ) وتم له الأمر ( أصبح وأخذ رزمة الأثواب تحت حضنه والذراع بيده ودخل السوق ينادي ) : ألا من يشتري الثوب : ( حتى كرهه المسلمون ) ومنعوه من ذلك ، ( فقالوا : كيف يفعل ذلك وقد أقيم لخلافة النبوة ) ؟ فقال : ( لا تشغلوني عن عيالي فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له ) من بيت المال ( قوت أهل بيت من المسلمين ) لا وكس ولا شطط ، ( فلما رضوا بذلك ) جميعا واتفقوا عليه ( رأى مساعدتهم وتطييب قلوبهم واستغراق الوقت بمصالح المسلمين أولى ) من الاشتغال بالكسب . ألا تراه كيف آثر القيام بحكم اللّه عليه وكان ذلك هو علم