تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
ولا يسكنون الأمصار ولا يأخذون من أحد شيئا ، بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب ، وأمثال هذه الأسباب التي يوثق بها في المسببات مما يكثر فلا يمكن إحصاؤها . وقال سهل في التوكل : إنه ترك التدبير ، وقال : إن اللّه خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه وإنما حجابهم بتدبيرهم ولعله أراد به استنباط الأسباب البعيدة بالفكر فهي التي تحتاج إلى التدبير دون الأسباب الجلية . فإذا قد ظهر أن الأسباب منقسمة إلى ما يخرج التعلق
شرح
الأمصار ولا يأخذون من أحد شيئا بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب ) ، وقد فضلهم صلّى اللّه عليه وسلم ومدحهم بما تقدم ، ثم سأله عكاشة أن يجعله منهم ففعل ، لأنه رأى ذلك طريقة ورأى معه زاده وشهد فيه القوة والتحقيق فأهله لذلك ، ولما قال له الآخر : ادع اللّه أن يجعلني منهم احتذاء له ولم ير ذلك فيه ولا وجده منه لم يؤهله ولم يعززه به ، إذ المقامات لا يقتدى بها ولا يمثل فيها كما لا تدعى لأنها مواجيد قلوب بايجاد قريب ، ومشاهدات غيوب باشهاد حبيب ، فمن سما إليها بغير قوة بتسور فإنه ينكص عنها قبل البلوغ فيتهور لأنها تنهار به لما يرد إليه من نفسه وطبعه ، فلما لم يشهد صلّى اللّه عليه وسلم ذلك مقامه ولم ير منه قوته وإعلامه أوقفه على حده وحكم عليه بوجده ورده إلى ضعفه ومنعه من تصوره وعسفه فرده ردا جميلا ، لأنه كان صلّى اللّه عليه وسلم حبيبا كريما فقال « قد سبقك بها عكاشة » والذي ذهب إليه محمد بن إسحاق الصوفي أن هذا يدل على بطلان كمال التوكل لا أصله ، لأنه الذي ورد في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، وإذا عرفت التوكل انكشف لك ذلك ، وذلك لأن التوكيل يراد لذاته ولغيره : أما كونه مرادا لذاته : فلأن أصله الإيمان باللّه ، وأما كونه مرادا لغيره : فلوجهين : أحدهما واجب ، والآخر مستحب أما الواجب ؛ فلكفه عن الأسباب المحظورة والمكروهة القريبة من المحظورة ، وأما المستحب ؛ فلحثه على الإجمال في الطلب وتفريغ القلب عن كل شاغل من الأكوان ، ولو لم يكن فيه إلا عز الإنتماء إلى اللّه وتعلق القلب به ، وهو المقصد الأسنى من بعثه الأنبياء لكفى ، فإذا فهمت هذا نزلت على هذين الوجهين تلك الدرجات ، واللّه أعلم . ( وأمثال هذه الأسباب التي يوثق بها في المسببات مما تكثر فلا يمكن إحصاؤها . وقال ) أبو محمد ( سهل ) التستري رحمه اللّه تعالى ( في ) حقيقة ( التوكل : إنه ترك التدبير ) وأصل كل تدبير من الرغبة وأصل كل رغبة من طول الأمل وطول الأمل من حب البقاء ، وهذا هو الشرك يعني أنك شاركت الربوبية في حب وصف البقاء . ( وقال ) أيضا : ( إن اللّه ) عز وجل ( خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه ، وإنما ) جعل ( حجابهم بتدبيرهم ، ولعله أراد به استنباط الأسباب البعيدة بالفكر فهي التي تحتاج إلى التدبير دون الأسباب الجلية ) . وقال صاحب القوت بعد أن نقل القولين ما نصه : قد كثر قوله رحمه اللّه تعالى في ترك التدبير ، وينبغي أن يعرف معناه ليس يعني بترك التدبير ترك التصرف ، فيما وجه العبد فيه وقد أبيح له ؟ كيف وهو يقول : من طعن على التكسب فقد طعن على التوحيد وقد كان له أرض يزرعها فكان