يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها ، وهو الذي فيه الناس كلهم : أعني من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح ، فأما أخذ الشبهة أو اكتساب بطريق فيه شبهة فذلك غاية الحرص على الدنيا والاتكال على الأسباب فلا يخفى أن ذلك يبطل التوكل .
وهذا مثل الأسباب التي نسبتها إلى جلب النافع مثل نسبة الرقية والطيرة والكي بالإضافة إلى إزالة الضار ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وصف المتوكلين بذلك ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون
شرح
الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها ) أولها وأوسطها وغايتها ، ( وهو الذي الناس فيه ) قد اعتادوه وألفوه طريقة . ( أعني : من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح ) وكل ذلك يناقض التوكل وتركه من أعمال المتوكلين ، ( فأما أخذ الشبهة أو اكتساب بطريق فيه شبهة ) أو مفضية إلى شبهة ، ( فذلك غاية الحرص على الدنيا والاتكال على الأسباب ، فلا يخفى أن ذلك يبطل ) أصل ( التوكل ) .
فإن قلت : قد زعمت أن التوكل واجب ، وقلت : أن الاستقصاء في الأسباب الموهمة مبطل له ، ولا يبطل الواجب إلا بفعل حرام ، فمن زاد على بابه قفلا ثانيا وثالثا كان فعله حراما ، وما ذهب إلى هذا أحد من العلماء .
قلنا : هنا ثلاث درجات . طرفان وواسطة .
الدرجة الأولى : الدخول في الأسباب المحظورة كالسعاية والشرطية وترويج الزيف والغش بستر عيب العين المعيبة طلبا لزيادة الثمن وادخار الأقوات وما أشبهه ، فالاجماع قائم على أن التوكل يبطل بهذه الأسباب .
الدرجة الثانية : كزيادة قفل وتدقيق حيلة وادخار قوت يزيد على سنة ، فقد رأى بعض العلماء بطلان التوكل بذلك كما سيأتي قريبا والذي يظهر كما قاله محمد بن إسحاق الصوفي أنه يبطل كماله لا أصله ، وسيأتي الكلام عليه .
الدرجة الثالثة : وهي المتوسطة بين الطرفين ، وإليها أشار المصنف بقوله : ( وهذا مثل الأسباب التي نسبتها إلى جلب النافع مثل نسبة الرقية والطيرة والكي بالإضافة إلى إزالة الضار ) ، وقد ذهب الخواص في كتاب التوكل إلى ذلك ، وتبعه صاحب القوت ، وإياه تبع المصنف وتنوسي الخواص وأبو طالب المكي حتى صارت المقالة منسوبة إلى المصنف ، واحتج الخواص على ذلك بقوله : ( فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وصف المتوكلين بذلك ) يشير إلى حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره آنفا وفيه قيل : من هم يا رسول اللّه ؟ قال « الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون » . ( ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يجلسون في