تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
الدرجة الثالثة : ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه ، وذلك
شرح
فأقول : يختلف ذلك باختلاف الأحوال ، ولرجحان الدخول في الأسباب المظنونة أحوال . الحالة الأولى : أنه لو ترك السبب بمتعلق المتعلق بحاله ومقصده لاشتغل عن العبادة والذكر والفكر ومقصود الشرع بالتوكل والسبب فراغ القلب لذلك ، فيكون الدخول في السبب فضيلة في حقه . قال اللّه تعالى :وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[ آل عمران : 126 ] فعرفنا جل جلاله إن إمداد الأولياء بالملائكة وسيلة لطمأنينة نفوسهم عند اضطراب طبع البشرية الذي لا يدخل تحت اختيار العبد ، لكنه شاغل للقلب مزاحم لذكر اللّه فطمن قلوبهم بما أمدهم به حراسة لقلوبهم عن نزعات النفس والعدو وسلب النصر عن الملائكة ، وأضافه إلى نفسه لأنه الفاعل على الحقيقة ؛ فهكذا ينبغي أن تفهم مثل هذه الحالة . الحالة الثانية : أن يكون إماما متبوعا فيدخل في الأسباب ، ويحمل في سفره الزاد ، ويستعمل في مرضه الدواء ليقتدي به في ذلك ، وهو متعلق باللّه تعالى في الباطن لا يلتفت إلى الوسائط ، وهذه طريقة الأنبياء والعلماء والمشايخ . الحالة الثالثة : رجل استوى عنده وجود الأسباب وعدمها ، فعدمها عنده كوجودها ، ووجودها عنده كعدمها ، فإن شاء تلبس بها لأنه مشغول بالمسبب عن السبب ، وإن شاء تركها لعلمه بقيام الحق عليه كفيلا ، وأن للطفه بعبده أسبابا خفية لا يطلع عليها العباد دون الأسباب الظاهرة ، ولذلك ترجح ترك الدخول في الأسباب المظنونة بعكس هذه الأحوال ؛ إذ من العباد من لا يتفرغ للعبادة إلا بترك الأسباب وهو الأغلب ، فترجح الترك في حقهم ، وهذه الحالة أسلم من الأولى ، فكم من عابد متعلق بالأسباب يظن أنه منقطع عنها ، فإذا انقطعت الأسباب أو ضعفت اضطرب قلبه وانزعجت نفسه وظهر نقصه ، لأنه كان يعتقد أن حياته باللّه ، وإن كانت هذه الحالة أيضا لا تخلو من غرور فكم من عابد تارك للأسباب يعتقد أنه زاهد وإن عرض عليه شيء من الأسباب مالت نفسه إليه ورغبت لما كانت فيه من الزهد والتقوى ، وإنما كان ذلك بسبب الفقر والعجز ، فالإمتحانات هي التي تخرج ما في النفوس من المكامن الجيدة أو الردية ، ولذلك رأى العلماء كل محنة منحة لما فيها من النعمة بإظهار ما في نفوسهم من مكامن العدو حتى يلقى اللّه بقلب سليم عن غيره ، ويقاس على ما قدمناه في جلب المنافع إزالة الضرر . وسيأتي الكلام على ذلك للمصنف في بيان ترك التداوي قد يحمد في بعض الأحوال ، واللّه أعلم . ( الدرجة الثالثة ملابسة الأسباب التي ) مسبباتها عنه موهومة لا مظنونة ولا مقطوع بها وهي التي ( يتوهم افضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة ، كالذي يستقصي في التدبيرات
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 171 | مرتضى الزبيدي