تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
تعالى أن لا يرزقه لما استجاب له وكان عاصيا ، ولقال له : يا جاهل كيف أخلقك ولا أرزقك ؟ ولذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق والأجل ، فإنهم أجمعوا على أن لا رازق ولا مميت إلا اللّه تعالى . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ولزالت
شرح
وهو أن العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه ) ولفظ القوت ، ويقال : لو هرب العبد من رزقه لأدركه في وقته كما لو هرب من الموت لأدركه هكذا هو في موضع آخر كما روينا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لو هرب أحدكم من رزقه لأدركه رزقه كما لو هرب من الموت لأدركه أجله » ( وإن لو سأل اللّه تعالى أن لا يرزقه لما استجاب له وكان ) في سؤاله ذلك ( عاصيا ولقال له : يا جاهل كيف أخلقك ولا أرزقك ) نقله صاحب القوت . ويؤيد الأول ما ورد في الخبر : « إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله » رواه الطبراني ، والبيهقي من حديث أبي الدرداء ورجاله ثقات ، وصححه الحافظ ابن حجر ، وفي رواية لأبي نعيم في الحلية عنه : « إن الرزق ليطلب العبد أكثر طلبا للعبد من أجله » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم في الرجل الذي أتاه فناوله تمرة وقال له : « خذها ولو لم تأتها لأتتك » وتقدم هذا للمصنف . ألا ترى أنه قال : لأتته التمرة وهي لا تسعى بنفسها ولكن يستسعى إليها بظرفها يدفعها إليك ، فكذلك الرزق على تصريفين : رزق طلبت فتلقاه ، ورزق يطلبك فيلقاك . وما لقيك فقد لقيته . وفي خبر آخر : « لكل عبد رزق محالة » ويروى « لكل عبد رزق هو آكله وأثر هو واطئه وحتف هو قاتله » . وأما القول الثاني فروي عن سهل من قوله ولفظه : لو أن العبد سأل اللّه أن لا يرزقه ما استجاب أبدا . ويقال له : اسكت يا أحمق لو لم أرد أن أرزقك ما خلقتك . أنا الذي خلقتك لا بد أن أرزقك كما خلقتك . ( ولذلك قال ابن عباس ) رضي اللّه عنه : ( اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق والأجل ، فإنهم أجمعوا على أن لا رازق ولا مميت إلا اللّه تعالى ) كذا في القوت . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم « لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ولزالت بدعائكم الجبال » ) هكذا هو في القوت . قال العراقي : تقدم قريبا بدون هذه الزيادة التي في آخره ، فرواه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة من حديث معاذ بن جبل باسناد فيه لين « لو عرفتم اللّه حق معرفته لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال » رواه البيهقي في الزهد من رواية وهيب المكي مرسلا دون قوله « لمشيتم على البحور » . وقال : هذا منقطع انتهى . قلت : ورواه ابن السنى من حديث معاذ أيضا ، كما رواه محمد بن نصر ، وعندهما زيادة « ولو خفتم اللّه مخافته لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل ولكن لا يبلغ ذلك أحد » قيل : يا رسول اللّه ولا أنت ؟ قال : « ولا أنا اللّه عز وجل أعظم من أن يبلغ أحد أمره كله » . ورواه الحكيم الترمذي في النوادر بلفظ « لو خفتم اللّه حق خيفته لعلمتم العلم الذي لا جهل معه ولو عرفتم اللّه حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال » .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 169 | مرتضى الزبيدي