فإن قلت : فما قولك في القعود في البلد بغير كسب أهو حرام أو مباح أو مندوب ؟
فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأن صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكا نفسه فهذا كيف كان لم يكن مهلكا نفسه حتى يكون فعله حراما ، بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه ، والصبر ممكن إلى أن يتفق ، ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام ، وإن فتح باب البيت وهو بطّال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج أولى له ولكن ليس فعله حراما إلا أن يشرف على الموت . فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب وإن كان مشغول القلب باللّه غير مستشرف إلى الناس ولا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه ، بل تطلعه إلى فضل اللّه تعالى واشتغاله باللّه فهو أفضل ، وهو من مقامات التوكل ، وهو أن يشتغل باللّه تعالى ولا يهتم برزقه ، فإن الرزق يأتيه لا محالة . وعند هذا يصح ما قاله بعض العلماء وهو : أن العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه وأنه لو سأل اللّه
شرح
( فإن قلت : فما قولك في القعود في البلد بغير كسب أهو حرام أو مباح أو مندوب ؟ فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأن صاحب السياحة في البوادي إذا لم يكن مهلكا نفسه كما تقدم ، فهذا الذي هو قاعد في البلد كيف يكون مهلكا نفسه حتى يكون فعله حراما ، بل لا يبعد ) هذا ( أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ، ولكن قد يتأخر عنه والصبر ممكن إلى أن يتفق ) وصوله ، ( ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام ) لأنه تسبب لإهلاك النفس نظرا لظاهر الشرع ، وكان هذا لعموم المتوكلين ، وإلا فقد نقل صاحب القوت عن بعضهم قال : قلت لبعض السلف : لو أن عبدا دخل بيتا وطين عليه بابا ولا يعلم به أحد أكان رزقه يأتيه ؟ فقال : نعم ، فقلت : ومن أين يأتيه ؟ فقال : من حيث يأتيه ملك الموت . ( وإن فتح باب البيت وهو بطال غير مشغول بعبادة ) من ذكر وقراءة ومراقبة وغيرها من أنواعها ، ( فالكسب والخروج ) إلى الناس ومعاملتهم ( أولى له ، ولكن ليس فعله ) ذلك ( حراما إلى أن يشرف على الموت ، فعند ذلك يلزم الخروج والسؤال ) إن لم يمكنه الكسب ، ( والكسب ) إن كان مطيقا له ( وإن كان مشغول القلب باللّه غير مستشرف إلى الناس ولا متطلع إلى من يدخل إلى الباب فيأتيه برزقه بل تطلعه إلى فضل اللّه تعالى ) مع كمال الحال وغلبة الإنس ، ( واشتغاله باللّه فهو أفضل وهو من ) جملة ( مقامات التوكل ، وهو أن يشتغل باللّه تعالى ) بذكر وفكر ومراقبة ( ولا يهتم برزقه ، فإن الرزق ) مضمون ( يأتيه لا محالة ) حتى يظهر له ملك الموت ، فحينئذ ينقطع عنه رزق الدنيا ويدخل في رزق الآخرة ، وإليه يشير كلام أكثر الشيوخ في معنى التوكل : فمن كانت مشاهدته في القسم المعلوم سقط عنه جملة من الهموم واستراح العباد من أذاه وشغل عنهم بخدمة مولاه . ( وعند هذا يصح ما قاله بعض العلماء