تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
هلاك نفسه ، كما روي أن زاهدا من الزهاد فارق الأمصار وأقام في سفح جبل سبعا وقال : لا أسأل أحدا شيئا حتى يأتيني ربي برزقي فقعد سبعا ، فكاد يموت ولم يأته رزق ، فقال : يا رب إن أحييتني فائتني برزقي الذي قسمت لي وإلّا فاقبضني إليك ، فأوحى اللّه جل ذكره إليه : وعزتي لا رزقتك حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس ، فدخل المصر وقعد فجاءه هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب وأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى اللّه تعالى إليه : أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا ، أما علمت أني أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إليّ من أن أرزقه بيد قدرتي ، فإذا التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة وجهل بسنة اللّه تعالى ، والعمل بموجب سنة اللّه تعالى مع الاتكال على اللّه عز وجل دون الأسباب لا يناقض التوكل ، كما ضربنا مثلا في الوكيل بالخصومة من قبل ، ولكن الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفية ، فمعنى التوكل الاكتفاء بالأسباب الخفية عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبب السبب لا إلى السبب .
شرح
عاصيا وله نظائر سبق ذكرها قريبا ، ( كما روي أن زاهدا من الزهاد ) في بني إسرائيل ( فارق الأمصار ) بنية التوكل ( وأقام في سفح جبل سبعا وقال : لا أسأل أحدا شيئا حتى يأتيني ربي برزقي فقعد سبعا فكاد يموت ولم يأته رزق فقال : يا رب أن أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك ، فأوحى اللّه إليه : وعزتي لا رزقتك حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس فدخل المصر وقعد ) بين الناس ، ( فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب وأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى اللّه تعالى إليه : أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا ، أما علمت أني أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إليّ من أن أرزقه بيد قدرتي ) ؟ نقله صاحب القوت بلفظ : حدثت عن رجل تفرد في فلاة من الأرض وانقطع عن الخلق وقال : إن كان لي رزق أتاني قال : فلبث أياما لم يأته حتى أضرّ به الضعف وقال : يا رب إن كان لي في الأرض رزق فأتني به وإلّا فاقبضني إليك . قال : فأوحى إليه ، وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل المصر وتقعد بين ظهراني الخلق . قال : فعدل إلى أقرب الأمصار إليه ودخل مسجدا فأتاه إنسان بطعام وأتاه آخر بشراب ، فأكل وشرب في نفسه فأوحى إليه : أردت أن تبطل حكمتي وتسقط حكمي بتوكلك عليّ أن أرزق الخلق بأيد الخلق أحب إلي ، ( فإذا التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة وجهل بسنّة اللّه تعالى ، والعمل بموجب سنة اللّه تعالى مع الإتكال على اللّه عز وجل دون الأسباب لا يناقض ) أصل ( التوكل ، كما ضربناه مثلا للوكيل بالخصومة من قبل ) ذلك ، ( ولكن الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفية ، فمعنى التوكل الاكتفاء بالأسباب الخفية عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبب السبب ) الخفي ( لا إلى السبب ) .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 167 | مرتضى الزبيدي