أحدهما : أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها وسواها على الصبر عن الطعام أسبوعا وما يقاربه بحيث يصبر عنه بلا ضيق قلب وتشوش خاطر وتعذر في ذكر اللّه تعالى .
والثاني : أن يكون بحيث يقوى على التقوّت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة ، فبعد هذين الشرطين لا يخلو في غالب الأمر في البوادي في كل أسبوع عن أن يلقاه آدمي أو ينتهي إلى محلة أو قرية أو إلى حشيش يجتزي به فيحيا به مجاهدا نفسه ، والمجاهدة عماد التوكل ، وعلى هذا كان يعول الخوّاص ونظراؤه من المتوكلين . والدليل عليه أن الخوّاص كان لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والركوة ويقول : هذا لا يقدح في التوكل . وسببه أنه علم أن البوادي لا يكون الماء فيها على وجه الأرض وما جرت سنّة
شرح
( أحدهما : أن يكون الرجل قد راض نفسه ) في الحضر ( وجاهدها وسوّاها ) وعوّدها ( على الصبر عن الطعام أسبوعا وما يقاربه ، بحيث يصبر عنه بلا ضيق قلب وتشويش خاطر وتعذر في ذكر اللّه تعالى ) بأن لا تسقط قوّته في القيام في صلاته .
( والثاني ) : قوة الحال وغلبة الإنس ، وهو ( أن يكون بحيث يقوى على التقوّت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة ) التي لا تعد قوتا في الجملة ( فبعد هذين الامرين لا يخلو في غالب الأمر في البوادي في كل أسبوع أن يلقاه آدمي أو ينتهى إلى حلة ) وهي منزلة العرب وفي نسخة محلة ( أو قرية أو إلى حشيش يزجي وقته به ) تزجية ( فيحيى به مجاهدا نفسه ) صابرا على الجوع والعطش ، ( والمجاهدة عماد التوكل ) وأساسه . ( وعلى هذا كان يعول ) إبراهيم ( الخواص ونظراؤه من المتوكلين ) كما صرح بذلك الخواص نفسه في كتاب التوكل له ، والمراد بنظرائه مثل يحيى معاذ الرازي ، وكان يوسع في التوكل بالأسباب ويأمر بها من غير مساكنة لها ولا وقوف معها وهو أوسع طريقا وأبسط حالا من الخواص ، ولكن مسلك الخواص أعلى وحاله أسنى على ضيق في طريقه وقبض في حاله وتشديد وعزيمة في مقامه من توكله ، ومنهم أبو تراب النخشبي ، وذو النون المصري ، وحاتم الأصم ، وعلي الصوفي رحمهم اللّه تعالى . وقد ذكر صاحب القوت لكل منهم ما يدل على شدة عزائمهم في التوكل ، ( والدليل عليه أن الخواص كان لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والركوة ويقول : هذا لا يقدح في التوكل ) .
ولفظ القوت : وكان إبراهيم الخواص يدقق في أحوال المتوكلين ويذكر أن الإدخار يخرج من حدّ التوكل ولم يكن تفارقه أربعة أشياء كان يقول : إدخارها من حال التوكل لأنها أمر الدين :
الركوة ، والحبل ، والإبرة والخيوط ، والمقراض ا ه . عد الخيوط مع الإبرة شيئا واحدا لأن الإبرة من غيرها لا تجدي نفعا .
( وسببه أنه علم أن البوادي لا يكون الماء فيها على وجه الأرض ) وإنما يكون في الآبار ( وما