فإذا كان هذا حاله وعلمه . فليمد اليد فإنه متوكل .
الدرجة الثانية : الأسباب التي ليست متيقنة ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها وكان احتمال حصولها دونها بعيدا كالذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادرا ويكون سفره من غير استصحاب زاد ، فهذا ليس شرطا في التوكل ، بل استصحاب الزاد في البوادي سنّة الأوّلين ، ولا يزول التوكل به بعد أن يكون الاعتماد على فضل اللّه تعالى لا على الزاد كما سبق ، ولكن فعل ذلك جائز وهو من أعلى مقامات التوكل ، ولذلك كان يفعله الخوّاص .
فإن قلت : فهذا سعي في الهلاك وإلقاء النفس في التهلكة .
فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين :
شرح
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا[ يونس : 58 ] ( وعليه فيعوّل ) ويعتمد ، ( فإذا كان ) السالك ( هذا علمه وحاله فليمد اليد فإنه متوكل ) وإلا فليس من التوكل في شيء ، ومن هذه الدرجة لو قعد في مجرى سيل أو في طريق سبع أو تحت جدار مائل تقارب انقضاضه ، فلا يصح توكله في شيء من ذلك ولو مات عاصيا .
الدرجة الثانية : الذي حصول السبب بعده مظنون وهي ( الأسباب التي ليست متيقنة ، لكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها وكان احتمال حصولها دونها بعيدا ، كالذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس إلّا نادرا ويكون سفره من غير استصحاب زاد ، فهذا ليس شرطا في ) صحة ( التوكل بل استصحاب الزاد في البوادي سنة الاوّلين ) من السلف الصالحين ، ( ولا يزول التوكل بعد أن يكون الاعتماد على فضل اللّه تعالى لا على الزاد كما سبق ولكن فعل ذلك جائز ) ، ومن هذه الدرجة الكسب والمتاجر والسفر في البحار رجاء السلامة والسفر في القوافل بغير زاد رجاء تسخير الناس له ، والجلوس في المساجد تفرغا للعبادة وغلق الأبواب على الأمتعة وشرب الأدوية المجربة للصحة في الغالبة ، فالتلبس بهذا كله مباح في الشرع غير واجب تركه ولا فعله ، وأصل التوكل واجب فيبقى الدخول في الأسباب المظنونة على أصل الإباحة والمباح ينقلب فضيلة بالمقاصد ، ( وهو ) أي ترك استصحاب الزاد في الأسفار ( من أعلى مقامات التوكل ، وكذلك كان يفعله ) إبراهيم بن أحمد ( الخواص ) رحمه اللّه تعالى وكان من كبار المتوكلين كما صرح به صاحب القوت .
( فإن قلت : هذا سعي في الهلاك وإلقاء النفس في التهلكة ) أي الدخول في البرية بغير خفير ولا قافلة ولا زاد سبب للهلاك ، وقد قال اللّه تعالى :وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[ البقرة : 195 ] فكيف يصح توكله وكيف يكون ذلك مباحا ؟
( فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين ) .