تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
والوعد يتبعه والحكم يتبع الوعد ، ولا يبعد أن يكون الغالب على قلب المتوكل ملاحظة شيء من ذلك ، وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطول بها فإن الكشف أنفع من الرواية والنقل ، فهذا ما يتعلق بحال التوكل واللّه الموفق برحمته ولطفه .
شرح
والوعد يتبعه والحكم يتبع الوعد ، ولا يبعد أن يكون الغالب على قلب المتوكل ملاحظة شيء من ذلك ) . وظاهر هذا تفضيل مقام التسليم على التوكل والتفويض ، وسيأتي في التنبيه ما يؤيد ذلك . ويؤيد ما شرحناه قول القشيري بعده وسمعته يعني الدقاق يقول : التوكل بداية والتسليم وسائط والتفويض نهاية ا ه . أي : أن التوكل اعتماد ، والتسليم راحة ورقاد ، والتفويض رضا بجريان الأحكام . قال : وسمعته أيضا يقول : التوكل صفة المؤمنين ، والتسليم صفة الأولياء ، والتفويض صفة الموحدين والتوكل صفة العوام ، والتسليم صفة الخواص ، والتفويض خاص الخاص . وقال أيضا التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام ، والتفويض صفة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم وقال الكمال أبو بكر محمد ابن إسحاق في مقاصد المنجيات : والتوكل مع شرفه منخفض الرتبة عن التفويض والتسليم ، لأن غايته جلب النفع ودفع الضر ، والتفويض والتسليم ينشئان عن ملاحظة علم اللّه وحكمته وتقديره للأشياء في أزلها ، وحقيقتهما الانقياد والإذعان للأمر والنهي وترك الاختيار في الفعل ، بل في جملة ما حكم اللّه به وقضى لأن المنفعة التي يطلب المتوكل جلبها والمضرة التي يطلب دفعها قد ينعكسان فتكون المضرة منفعة والمنفعة مضرة ، ولذلك علمنا اللّه ربنا وخالقنا التفويض والتسليم وترك الاختيار بقوله تعالى :وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 216 ] فنسب ذلك إلى علمه وأثبته لنفسه وسلبه عنا بقوله :وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ( وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطيل به ، فإن الكشف ) عن الحقائق ( أنفع من الرواية والنقل ) المجرد ، ( فهذا ما يتعلق بحال التوكل ) ولا بأس أن نورد ما قاله الشيوخ ، ولا سيما في بعض ما قالوه لحقيقة التوكل ، وفي بعضه إشارة إلى أعلى مقاماته ومعرفة ذلك مهمة فنقول . قال صاحب القوت ، قال بعض العارفين : لما سئل عن حقيقة التوكل هو الفرار من التوكل أي يتوكل ولا ينظر إلى توكله أنه لأجله يكفي أو يعافى أو يوفى ، فجعل نظره إلى توكله علة في توكله يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل ويقوم له بشهادة منه بلا ملل ، ويكون بينه وبين الوكيل شيء ينظر إليه أو يعوّل عليه أو يدل به ، حتى التوكل أيضا الذي هو طريقه . وقد عبرت طائفة من أهل المعرفة عن هذا المعنى بعبارات ، فقال أبو تراب النخشبي : التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية . وقال الزقاق : التوكل رد العيش إلى يوم واحد وإسقاط هم غد ، وقال غيره : التوكل هو الخمود تحت الموارد . وكان بعض أشياخنا إذا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 158 | مرتضى الزبيدي