تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
شرح
الكفاية ، فإن أعطي شكر وإن منع صبر . وقال ذو النون : التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع عن الحول والقوّة ، وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه . وقال سهل : التوكل الاسترسال مع اللّه على ما يريد ، وهذا إشارة إلى مقام التسليم وفيه ترك الاختيار . وقال غيره : التوكل أن يستوي عندك الإكثار والتقلل ، وهذا إشارة إلى مقام من مقامات التوكل . وقال ابن مسروق : التوكل الاستسلام لجريان القضاء والأحكام ، وهذا إشارة إلى مقام التفويض وفيه ترك الاختيار وهو المقام الثالث . وقال أبو عثمان الحيري : التوكل الاكتفاء باللّه مع الاعتماد عليه ، وهذا إشارة إلى المقام الثاني . وسئل الزقاق عن التوكل فقال : هو الأكل بلا طمع ، وهذا إشارة إلى إحدى أماراته . وقيل : التوكل نفي الشكوك والتفويض إلى ملك الملوك أراد بنفي الشكوك قوة اليقين ، وأطلق التوكل على التفويض وهو أعلى منه لأنه من ثمراته ، كما أن اليقين من أصوله . ففيه إشارة إلى الأصل والثمرة ، وقيل : التوكل الثقة بما في يدي اللّه تعالى واليأس عما في أيدي الناس ، وهذا إشارة إلى سبب التوكل الذي هو الاعتماد على اللّه لا على نفسه . وقيل : التوكل فراغ السر عن التفكر في التقاضي في طلب الرزق ، وهذا إشارة إلى ثمرة من ثمرات التوكل لا نفسه ، فإن من توكل على اللّه ولم يلتفت إلى غيره من الأسباب استراح قلبه من هم الإكتساب وإن أمر بالإكتساب .

تنبيه : [ التوكل مع شرفه منخفض الرتبة عن التسليم والتفويض ]

تقدم أن التوكل مع شرفه منخفض الرتبة عن التسليم والتفويض ، وهل التفويض أعلى مقاما أو التسليم ؟ فمنهم من قال : التفويض أعلى ، ومنهم من قال : التسليم أعلى ، وعلى كل حال فالواجب على العبد لجهله أن يستخير الرب تعالى لعلمه وكمال قدرته ، فما للعبد العاجز الجاهل إلا الذل والإذعان وترك الاختيار ، إذ لو فرضنا أن اللّه تعالى صب على عباده بلاء عريا عن المصلحة لكان يجب على العبد التسليم والإذعان ، لأنه أحكم الحاكمين . فقد قال صاحب القوت : اعلم أن العلماء باللّه لم يتكلموا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم ولا لأجل تبليغهم رضاهم ومرادهم ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ، ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحوّل عنهم ما مضى من سنته التي قد خلت في عباده من الابتلاء والامتحان والاختيار إلى ما يعلمون هو أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا . لو اعتقد عارف باللّه تعالى أحد هذه المعاني مع اللّه في توكله لكان كبيرة توجب عليه التوبة ، وكان توكله معصية وكان ما فات عليه من حقيقة التوحيد أشد عليه مما أدرك من توهم التوكل ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت وطالبوا قلوبهم بالرضا عنه بأي معنى جرى ا ه . فإن قال قائل : إن كانت الإرادة قد خصصت الأشياء ووضعها في مراتبها والقدرة توجب ذلك بالضرورة في الوقت المقدر ، إذ من المحال أن تخصص الإرادة شيئا ولا توجده القدرة على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 160 | مرتضى الزبيدي