شرح
سئل عن التوكل أجاب عنه بعين الحقيقة فيقول : هو أن تكون مع الحق كما لم تكن ، فإن الحق الآن كما لم يزل . وقال الجريري : التوكل معاينة الاضطرار أي يكون بضاعته عند مولاه الإفلاس وحاله في الأعمال الإياس . وقال سهل : التوكل هو التبريء من الحول والقوّة . وقال غيره : هو عدم الاهتمام بما قد كفى كما لا يهتم الصحيح بالدواء إذا عوفي . وكان الحسن يقول : التوكل هو الرضا ، وهو إشارة إلى أعظم ثمراته . وقيل : هو تسليم الأقدار كلها للقادر واعتقاد أن جميعها قضاؤه وقدره وهو إشارة إلى القدر المفروض منه . وقال ابن عطاء : ليس التوكل لزوم الكسب ولا تركه إنما التوكل طمأنينة في القلب إلى النار ، وكذلك قال أبو عبد اللّه القرشي في التوكل : إنما هو اطمأن إلى اللّه سرا وجهرا ورضي به كفيلا ، ونحوه قال رويم : إنما التوكل الثقة باللّه في كل ما ضمن في حال . وقال أبو موسى الدبيلي : التوكل هو أن يستوي عندك البادية وباب الطاق . وقال غيره :
التوكل استيلاء الوجد على إشارة وحذف التشرف إلى الإرفاق يعني : يغلب وجده إشارته بقول أو همة فيشغله عن التفرغ إلى غيره . وقيل : التوكل هو الكف عن الأغيار في السر والعلانية والسكون إلى الخلق بلا واسطة . وقال سهل : التوكل هو التقوى واحتج بقوله تعالى :اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ[ آل عمران : 102 ] فإن المعنى اعبدوه بالتوكل . وقال مرة : هو إظهار الفقر والفاقة إليه ، ووافقه في ذلك أبو بكر محمد بن موسى الواسطي فقال : التوكل هو قصد الفاقة والافتقار . وقال النهرجوري :
التوكل نسيان حظوظ النفوس . وقال الخواص : التوكل الاكتفاء بعلم اللّه فيك من تعلق القلب بسواه . وقال يحيى بن معاذ : من حقيقة التوكل ترك العبد محابه لمحاب اللّه واختياره لاختيار اللّه وتدبيره لتدبير اللّه بالغناء عن نفسه وبالنظر إلى مجاري الأحكام والقدر ، وهذا إشارة إلى المقام الثالث وقال أيضا . التوكل على ثلاث درجات : ترك الشكاية والرضا والمحبة ، فترك الشكاية أن لا يشكو ربه ، والرضا أن يرضى بما قسم له ، والمحبة أن تكون محبته في قضاء اللّه تعالى ، فأولها للصالحين ، والثانية للأولياء ، والثالثة للأبدال . وهذا إشارة إلى درجات البداية . وأما توكل النبيين والصديقين : فهو أن يركن القلب إلى سبب ولا مخلوق ، ولا ينظر إلى ما دون اللّه نظرة وهو من عزائم التوكل . قال : وأخبرني بعض الأشياخ عن أبي علي الروذباري أنه قال : التوكل على ثلاث درجات . الأولى : إذا أعطي شكر وإذا منع صبر ، والثانية : المنع والعطاء عنده واحد ، والثالثة : المنع مع الشكر أحب إليه من اختياره . وقال غيره : التوكل على ثلاث درجات . أولاها : الصبر عند البلاء ، وأوسطها الشكر عند شهود البلاء ، وآخرها الرضا بمجاري الأقدار والأحكام هذا ما انتقيته من كتاب قوت القلوب مع الاختصار ، وقد ذكر القشيري في الرسالة بعض ما هو في القوت ، فلنذكر ما لم يذكره صاحب القوت قال حمدون : التوكل هو الإعتصام باللّه وقد أشار بذلك إلى عموم التوكل في المقامات الثلاث ، وسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا ؟
فقال : إذا رضي باللّه وكيلا . وسئل ابن عطاء عن حقيقة التوكل فقال : أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها .
وذكر القشيري قول أبي تراب التخشبي السابق إلا أنه زاد بعد قوله بالربوبية والطمأنينة إلى