يشير إلى المقام الثاني ، فسكونه بلا اضطراب إشارة إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به ، واضطرابه بلا سكون إشارة إلى فزعه إليه وابتهاله وتضرعه بين يديه كاضطراب الطفل ببدنه إلى أمه وسكون قلبه إلى تمام شفقتها .
وقال أبو علي الدقاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ثم التسليم ثم التفويض ، فالمتوكل يسكن إلى وعده ، والمسلم يكتفي بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى بحكمه .
وهذا إشارة إلى تفاوت درجات نظره بالإضافة إلى المنظور إليه ، فإن العلم هو الأصل
شرح
( اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب ) نقله القشيري ، ( ولعله يشير إلى المقام الثاني ، فسكونه بلا اضطراب إشارة إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به ) واعتماده عليه ، ( واضطرابه بلا سكون إشارة إلى فزعه إليه وابتهاله وتضرعه بين يديه كاضطراب الطفل ببدنه إلى أمه وسكون قلبه إلى تمام شفقتها ) ، والذي فهمته من قول أبي سعيد أنه أشار بقوله ذلك إلى أن ترك الأسباب ليس من التوكل في شيء ، وإنما القصد عدم سكون القلب إليها بحال ، فهذا هو معنى قوله : اضطراب بلا سكون ، ثم بعد مباشرته لها إن تغيرت فلا يضطرب لذلك ، بل يديم سكون قلبه إلى مسببها . ويؤيده ما قال سهل فيما نقله القشيري : التوكل حال النبي صلّى اللّه عليه وسلم والكسب سنته فمن بقي على حاله فلا يتركن سنته ا ه .
أي : يكون السابق لقلبه سكونه إلى اللّه تعالى بلا اضطراب في التعلق بالأسباب ، فأشار إلى تمام التوكل الذي هو عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها ، فيكون حال قلبه قيامه باللّه لا بها فلا يقوم عبودية الأسباب إلّا على ساق التوكل ، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية ، فأراد بالاضطراب الأول الضرب في الأرض للتكسب إن كان معيلا ، وأراد بالاضطراب الثاني وهو المنفي تعلق القلب ، وإن شئت قلت : التوكل هو اضطراب بلا اضطراب أو هو سكون بلا سكون ، ويراد بالسكون الأول التعلق بالسبب وبالثاني القلب . وكلام أبي سعيد من أبدعه وأحسنه ، وما شرحناه أقعد مما أشار إليه المصنف واللّه أعلم .
( وقال أبو علي ) الحسن بن علي ( الدقاق ) النيسابوري شيخ القشيري : ( للمتوكل من حيث هو ثلاث درجات : التوكل ، ثم التسليم ، ثم التفويض ) وكل من الأخيرين أعلى مما قبله كما أفاده سياقه هنا . ( فالمتوكل يسكن إلى وعده ) تعالى بقوله :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] وله اختيار . ( والمسلم يكتفي بعلمه ) تعالى بحاله فإنه يعلم ما هو فيه ، ( وصاحب التفويض يرضى بحكمه ) تعالى أي بكل ما يجريه اللّه تعالى وافق غرضه أو خالفه ، ولا اختيار لهما لإنهما سلما وفوّضا الأمور إليه تعالى يفعل بها ما هو صلاح لهما نقله القشيري سماعا عنه .
( وهذا إشارة إلى تفاوت درجات نظره بالإضافة إلى المنظور إليه ، فإن العلم هو الأصل