تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
لذلك ، فالأول عام للمقامات الثلاث ، والثاني إشارة إلى المقام الثالث خاصة ، وهو مثل توكل إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ قال له جبريل عليه السلام : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، إذ كان سؤاله سببا يفضي إلى سبب وهو حفظ جبريل له ، فترك ذلك ثقة بأن اللّه تعالى إن أراد سخّر جبريل لذلك فيكون هو المتولي لذلك ، وهذا حال مبهوت غائب عن نفسه باللّه تعالى فلم ير معه غيره وهو حال عزيز في نفسه ، ودوامه إن وجد أبعد منه وأعز . وقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب ، ولعله
شرح
سبب ) آخر يباشر المطلوب ( حتى يكون الحق ) تعالى ( هو المتولى لذلك ) فيصرفك كيف يشاء . هكذا أورده القشيري . ( فالأول : عام في المقامات الثلاث ) إذ التعلق باللّه لا بد منه في كل منها ، ( و ) الجواب ( الثاني : إشارة إلى المقام الثالث ) الذي هو أعلى الثلاثة ، وهذا يدلك على أن المشايخ إنما يجيبون فيما يسألون على قدر مقام السائلين ، فإنه في الأول أجاب بما يعم الثلاث ، فلما استزاده وتفرس فيه القوة أجاب بما هو أخص وأعلى ، ويحتمل أن يقال أنه أجاب أولا بحقيقة التوكل وعبر عنه بالتعلق باللّه خاصة فاستزاده بما يثبت له هذا المقام فأجاب أن أترك الأسباب تصل إلى ذلك وفي ترك الأسباب كلام يأتي فيما بعد ، ( وهو مثل توكل إبراهيم عليه السلام إذ قال له جبريل عليه السلام : ألك حاجة ) وهو مكتف مربوط في كفة المنجنيق بين السماء والأرض يهوى إلى نار وقد تأججت ؟ ( فقال : أما إليك فلا ) ، فأعرض عنه وتعلق باللّه ، ( إذ كان سؤاله سببا يفضي إلى سبب وهو حفظ جبريل له ) عن السقوط في النار ، ( فترك ذلك ثقة بأن اللّه تعالى إن أراد سخر جبريل لذلك ، فيكون هو المتولي لذلك وهذا حال مبهوت ) مدهوش ( غائب عن نفسه باللّه تعالى ) أي فيه ، ( فلم ير معه غيره لفنائه فيه عنه وهو حال عزيز في نفسه ودوامه إن وجد ) في السالك ( أبعد منه وأعز ) ، وهو منتزع من سياق القشيري قال : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمد بن جعفر بن محمد يقول : سمعت أبا بكر البرذعي يقول : سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول : التوكل على كمال الحقيقة ما وقع لإبراهيم عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام : أما إليك فلا ، لأنه غابت نفسه باللّه فلم ير مع اللّه غيره ا ه . وقد تقدم للمصنف نحو ذلك في الفناء في التوحيد . وقال صاحب القوت : سئل الإمام أحمد عن التوكل ؟ فقال : هو قطع الاستشراف بالإياس عن الخلق ، قيل له : فالحجة فيه قال إبراهيم عليه السلام قال له جبريل : ألك حاجة ؟ قال : إليك لا . قال : فسل من لك إليه حاجة ، فقال : أحب الأمرين إلي أحبهما إليه . هكذا ذكره أحمد ، فكأنه جعل التوكل التفويض والرضا بجريان الأحكام من غير مسألة ولا اعتراض ، وهذا لعمري هو حال المتوكلين . ( وقال أبو سعيد ) أحمد بن عيسى ( الخراز ) المتوفي سنة 277 : ( التوكل ) هو