تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
بيان أعمال المتوكلين : اعلم أن العلم يورث الحال ، والحال يثمر الأعمال ، وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة كاللحم على الوضم وهذا ظن الجهال ، فإن ذلك حرام في الشرع ، والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين ، بل نكشف الغطاء عنه ونقول :
شرح
وفاق التخصيص ، فما فائدة التوكل ، وقد قال تعالى :وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ الطلاق : 3 ] ؟ فالجواب عن هذا كالجواب في مسألة الدعاء ، فكما أن الدعاء عبادة في نفسه ، فكذلك التوكل عبادة تعبدنا اللّه تعالى بها وهو والدعاء من جملة الأسباب التي رتب عليها مسبباتها ، ولذلك قال اللّه تعالى :ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ[ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 11 ] ومعلوم أن اللّه تعالى مولى المؤمنين والكافرين إلا أن للمؤمنين ولاية خاصة سوى الولاية العامة بسبب توكلهم على مولاهم ، وكما أن الدعاء إذا وافق المشيئة حصل المدعوّ به بعينه وإن لم يوافق المشيئة عوض عن المدعو المطلوب أضعافا ، فكذلك المتوكل يتوكل على اللّه في جميع أموره والرب تعالى يجري عليه أحكامه التي سبقت بها مشيئته ، فإن وافقت غرض المتوكل فهو الزبد بالشهد ، وإن خالفت غرضه عوضه اللّه تعالى على توكله أضعاف ذلك ، ومن هنا قالوا : إن التسليم أفضل درجات التوكل لابتنائه على أعز أنواع العلم والحكمة ، وهو الذي يشير إليه سياق المصنف فيما مضى كما نبهنا عليه آنفا واللّه أعلم . الفصل الثالث

في بيان أعمال المتوكلين :

( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن العلم يورث الحال ، والحال يثمر الأعمال ) ، فالعلم هو الأصل ، والعمل ثمرة الحال ، والحال يتبع العلوم والإعتقادات ، وقد تحزب الناس في ذلك أحزابا بين القائل بخلع الأسباب ، وبين القائل بالدخول فيها ، وبين المتوسط بطريق الإجمال في الطلب ، ولكل فريق وجه مع قصوره عن الإحاطة بمقاصد الشرع في وسائل العبادات من مقاصدها . وقد شرع المصنف في شرح ذلك بذكر ضوابط المقاصد وافتقارها إلى الأسباب واستغناء بعض المقاصد عن الدخول في الأسباب مع وجه الأفضل في ذلك فقال : ( وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم ؛ وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام في الشرع ، والشرع قد أثنى على المتوكلين ) ومدحهم كما في غير آية وغير حديث ، ( فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين ) وفي نسخة بمحظوراته ، ( بل نكشف الغطاء عنه )