تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
أنواع العلم ووراءه سر القدر ، وأبو يزيد قلما يتكلم إلا عن أعلى المقامات وأقصى الدرجات وليس ترك الاحتراز عن الحياة شرطا في المقام الأوّل من التوكل ، فقد احترز أبو بكر رضي اللّه عنه في الغار إذ سدّ منافذ الحيات إلا أن يقال فعل ذلك برجله ولم يتغير بسببه سره ، أو يقال : إنما فعل ذلك شفقة في حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا في حق نفسه ، وإنما يزول التوكل بتحرك سره وتغيره لأمر يرجع إلى نفسه ، وللنظر في هذا مجال ولكن سيأتي بيان أن أمثال ذلك وأكثر منه لا يناقض التوكل ، فإن حركة السر من الحيات هو الخوف ، وحق المتوكل أن يخاف مسلط الحيات إذ لا حول للحيات ولا قوّة لها إلا باللّه ، فإن احترز لم يكن اتكاله على تدبيره وحوله وقوّته في الاحتراز بل على خالق الحول والقوّة والتدبير . وسئل ذو النون المصري عن التوكل ؟ فقال : خلع الأرباب وقطع الأسباب ، فخلع الأرباب إشارة إلى علم التوحيد وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال ، وليس فيه تعرض
شرح
ووراءه سر القدر ) الذي نهى عن كشف سره وهذا السياق مؤيد لمقالته التي تقدم ذكرها . ( وأبو يزيد ) قدس سره ( قلما يتكلم إلا من أعلى المقامات وأقصى الدرجات ) لعلو حاله وتمكنه في مقامه ، ( وليس ترك الاحتراز عن الحياة شرطا في المقام الأول من التوكل ، فقد احترز أبو بكر رضي اللّه عنه في الغار ) الذي بجبل ثور ( إذ سد منافذ الحيات ) بقطع من ردائه ( إلا أن يقال فعل ذلك بيده ) وفي نسخة برجله ، ( ولم يتغير بسبب ذلك سره ) أي باطنه ، ( أو يقال : إنما فعل ذلك شفقة في حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) . عزاه رزين للنسائي ، ورواه ابن الجوزي في الوفاء ، وقد تقدم الكلام عليه ، ( لا في حق نفسه ، إنما يزول التوكل بحركة سره ) وتغيره ( لأمر يرجع إلى نفسه وللنظر في هذا مجال ) أي لأن مقام الصديق يقتضي التبرئ من الحركة مطلقا إلا أن يقال : إن ذلك كان في مبادئ سلوكه قبل أن يتشرف بمقام الصديقية ، ( ولكن سيأتي أن أمثال ذلك وأكثر منه لا يناقض التوكل ، فإن حركة السر من الحيات هو الخوف وحق المتوكل أن يخلف مسلط الحيات ، إذ لا حول للحيات ولا قوة لها إلا باللّه ، فإن احترز لم يكن اتكاله على تدبيره وحوله وقوته في الاحتراز ، بل على خالق الحول والقوة والتدبير ) . ( وسئل ذو النون المصري ) قدس سره ( عن التوكل ؟ فقال : ) هو ( خلع الأرباب ) وهو ما سوى اللّه تعالى بما يملك القلب عادة ويكون مسخرا له بمنزلة العبد ( وقطع ) الاعتماد على ( الأسباب ) الظاهرة والباطنة بحيث لا يبقى له معتمد سوى اللّه تعالى ، ( وخلع الأرباب إشارة إلى علم التوحيد ) فإن من اتخذ غير اللّه ربا لم يوحده ، ( وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال ) فقد أشار إلى العلم الذي هو أساس التوكل والعمل الذي هو ثمرته ( وليس فيه تعرض صريح