تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
بيان ما قاله الشيوخ في أحوال التوكل : ليتبين أن شيئا منها لا يخرج عما ذكرنا ولكن كل واحد يشير إلى بعض الأحوال ، فقد قال أبو موسى الدبيلي ، قلت لأبي يزيد : ما التوكل ؟ فقال : ما تقول أنت ؟ قلت : إن أصحابنا يقولون : لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك . فقال أبو يزيد : نعم هذا قريب ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون وأهل النار في النار يعذبون ثم وقع بك تمييز بينهما خرجت من جملة التوكل ، فما ذكره أبو موسى فهو خبر عن أجل أحوال التوكل وهو المقام الثالث ، وما ذكره أبو يزيد عبارة عن أعز أنواع العلم الذي هو من أصول التوكل وهو العلم بالحكمة وأن ما فعله اللّه تعالى فعله بالواجب فلا تمييز بين أهل النار وأهل الجنة بالإضافة إلى أصل العدل والحكمة ، وهذا أغمض
شرح
الفصل الثاني

[ بيان ما قاله الشيوخ في أحوال التوكل ]

في بيان ما قاله الشيوخ في أحوال التوكل : ( إعلم ) وفي نسخة : ليتبين ( أن شيئا منها لا يخرج عما ذكرناه ، ولكن كل واحد يشير إلى بعض الأحوال فقد قال أبو موسى الدبيلى ) هكذا في النسخ ، وهو يحتمل أن يكون بفتح الدال وكسر الموحدة نسبة إلى دبيل الرملة قرية بها ، أو هو بفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مضمومة إلى الديبل مرسى من مراسي السند ، وقد نسب إلى كل منهما جماعة من أهل العلم ولم أجد لأبي موسى ترجمة ، ( قلت لأبي يزيد ) يعني البسطامي قدس سره : ( ما التوكل ؟ فقال : ما تقول فيه أنت ؟ قلت : إن أصحابنا يقولون لو أن السباع والأفاعي ) أي الحيات ( عن يمينك ويسارك ) أي وغيرهما ( ما تحرك لذلك سرك ) لقوة اليقين باللّه والاعتماد عليه . ( فقال أبو يزيد : نعم ، هذا قريب ، ولكن لو أن أهل الجنة يتنعمون ، وأهل النار في النار يعذبون ثم وقع بك ) وفي نسخة لك ( تمييز عليهما ) وفي نسخة بينهما أي بأن ميزت أحدهما عن الآخر يعني اخترت لنفسك شيئا ( خرجت من جملة التوكل ) لأن الاعتماد على اللّه تعالى ينافي أن تنسب لنفسك فعلا لأنك لا تعلم مصلحتك في أي جهة لا في النعيم ولا في العذاب ، فلا يليق بك تمييز ولا اختيار ، وذكر نعيم الجنة وعذاب النار لأنهما أشد من غيرهما وإلا فليسا بمرادين ، بل المراد مطلق النعيم والعذاب ، ولفظ القشيري في الرسالة : وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا عبد اللّه السيرواني يقول : سمعت أبا موسى الدبيلي يقول : قيل لأبي يزيد : ما التوكل ؟ فقال لي : ما تقول أنت فيه ؟ والباقي سواء ، وهذا يدل على أن السائل له على التوكل غير أبي موسى ، ( فما ذكره أبو موسى فهو خبر عن أجل أحوال التوكل ) وأعلاها ، ( وهو المقام الثالث . وما ذكره أبو يزيد عبارة عن أعز أنواع العلم الذي هو من أصول التوكل وهو العلم بالحكمة ) الإلهية ، ( وأن ما فعله تعالى فعله بالواجب فلا تمييز بين أهل النار وأهل الجنة بالإضافة إلى أصل القول بالعدل والحكمة