وهؤلاء هم الذين يقال فيهم :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ الأعراف : 139 ] وإنما كانوا أضل لأن الانعام ليس في قوّتها طلب درجة الملائكة ؛ فتركها الطلب للعجز . وأما الإنسان ففي قوّته ذلك ، والقادر على نيل الكمال أحرى بالذم وأجدر بالنسبة إلى الضلال مهما تقاعد عن طلب الكمال . وإذا كان هذا كلاما معترضا فلنرجع إلى المقصود فقد بينّا معنى قول ( لا إله إلا اللّه ) ومعنى قول ( لا حول ولا قوّة إلا باللّه ) وأن من ليس قائلا بهما عن مشاهدة فلا يتصوّر منه حال التوكل .
فإن قلت : ليس في قولك : ( لا حول ولا قوّة إلا باللّه ) إلا نسبة شيئين إلى اللّه ، فلو قال قائل : السماء والأرض خلق اللّه فهل يكون ثوابه مثل ثوابه ؟
فأقول : لا ، لأن الثواب على قدر درجة المثاب عليه ولا مساواة بين الدرجتين ولا ينظر إلى عظم السماء والأرض وصغر الحول والقوّة إن جاز وصفهما بالصغر تجوّزا ، فليست الأمور بعظم الأشخاص بل كل عامي يفهم أن الأرض والسماء ليستا من جهة
شرح
الذين يقال فيهمأُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) شبههم بالأنعام لما في قصوى هممهم الميل إلى اللذات الحسية التي تزول سريعا ، ثم قال ( بل هم أضل ) ، ( وإنما كانوا أضل لأن الأنعام ليس في قوتها طلب درجة الملائكة وتركها الطلب للعجز ) لما فيها من النقص في الإدراك ، ( وأما الإنسان ففي قوته ذلك ) لأنه خلق بهيميا ملكيا فهو مرتبة بين مرتبتين ، ( والقادر على نيل الكمال أحرى بالذم وأجدر بالنسبة إلى الضلال مهما تقاعد عن الطلب الكمال ) لأنه ترك ما هو قادر عليه وتقدم إنشاد قول الشاعر :ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام( وإذ كان هذا كلاما معترضا ) بين كلامين سيق لأدنى مناسبة ، ( فلنرجع إلى المقصود ) المهم فيما نحن فيه ( فقد بينا معنى قول ( لا إله إلا اللّه ) في التوحيد ، ( ومعنى لا حول ولا قوة إلا باللّه ) قريبا ، ( ومن ليس قائلا بهما عن مشاهدة ) معنييهما ( فلا يتصور منه حال التوكل ) .
( فإن قلت : ليس في قولك ( لا حول ولا قوة إلا باللّه ) إلا نسبة شيئين إلى اللّه ) تعالى وهما : الحول والقوة ، ( فلو قال قائل : السماء والأرض خلق اللّه ، فهل يكون ثوابه مثل ثوابه ؟ ) .
( فأقول لا ، لأن الثواب على قدر درجة المثاب عليه ولا مساواة بين الدرجتين ) في المعنى الباطن ، ( ولا ينظر إلى عظم السماء والأرض وصغر الحول والقوة وإن جاز وصفهما بالصغر تجوزا ، فليست الأمور بعظم الأشخاص بل كل عامي يفهم أن الأرض والسماء