تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
والمأكول والمنكوح ، ويتصوّر ذلك للبهائم على الدوام ، وأين لذات البهائم من لذة الملك ، والنزول في أعلى عليين في جوار رب العالمين ، ولو كان لهذه اللذات قدر لما وسعت على البهائم ولما رفعت عليها درجة الملائكة ، أفترى أن أحوال البهائم - وهي مسيبة في الرياض متنعمة بالماء والأشجار وأصناف المأكولات متمتعة بالنزوان والسفاد - أعلى وألذ وأشرف وأجدر بأن تكون عند ذوي الكمال مغبوطة - من أحوال الملائكة في سرورهم بالقرب من جوار رب العالمين في أعلى عليين ، هيهات هيهات ما أبعد عن التحصيل من إذا خيّر بين أن يكون حمارا أو يكون في درجة جبريل عليه السلام فيختار درجة الحمار على درجة جبريل عليه السلام ! وليس يخفى أن شبه كل شيء منجذب إليه ، وأن النفس التي نزوعها إلى صنعة الأساكفة أكثر من نزوعها إلى صنعة الكتابة ، فهو بالأساكفة أشبه في جوهر منه بالكتاب ، وكذلك من نزوع نفسه إلى نيل لذات البهائم أكثر من نزوعها إلى نيل لذات الملائكة ، فهو بالبهائم أشبه منه بالملائكة لا محالة ،
شرح
المنظور والمشروب والمأكول والمنكوح ، ويتصور ذلك للبهائم على الدوام ، وأين لذات البهائم من لذات الملك والنزول في أعلى عليين في جوار رب العالمين ) ؟ وقيل : لما شبه حال السابقين في التنعم بأكمل ما يتصور لأهل المدن شبه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتمناه أهل البوادي إشعارا بالتفاوت بين حالين . ( ولو كان لهذه اللذات قدر لما وسعت على البهائم ولما رفعت عليها درجة الملائكة . أفترى أن أحوال البهائم وهي مسيبة ) أي مطلقة ( في الرياض متنعمة بالماء والأشجار وأصناف المأكولات متمتعة بالنزوات والسفاد ) وهو الركوب على الإناث ( أعلى وأشرف وأجدر بأن تكون عند ذوي الكمال مغبوطة من أحوال الملائكة في سرورهم بالقرب من جوار رب العالمين في أعلى عليين . هيهات هيهات : ما أبعد عن التحصيل من إذا خيّر بان يكون حمارا أو يكون في درجة جبريل ، فيختار درجة الحمار على درجة جبريل عليه السلام ، وهل يخفى إن شبه كل شيء منجذب إليه ) وهو قول سائر مشهور على الألسنة ، ومعناه يؤخذ من حديث « الأرواح جنود مجندة » ومن قول الشعبي : إن للّه ملكا موكلا يجمع الإشكال بعضها على بعض ، وقد أكثر فيه الشعراء وضمنوا هذه الجملة وصرفوها إلى معان كثيرة مدحا وذما . وأعجبها ما أنشدني بعضهم في الذم :رأيت النخل يطرح كل قحف * وذاك الليف ملتف عليه فقلت تعجبوا من صنع ربي * شبيه الشيء منجذب إليه( وأن النفس التي نزوعها إلى صنعة الأساكفة أكثر من نزوعها إلى صنعة الكتابة ، فهو بالأساكفة أشبه في جوهره منه بالكتاب . وكذلك من نزوع نفسه إلى نيل لذات البهائم أكثر من نزوعه إلى نيل لذات الملائكة ، فهو بالبهائم أشبه منه بالملائكة لا محالة ، وهؤلاء
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 150 | مرتضى الزبيدي