بين يدي الغاسل لا يفارقه إلا في أنه يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت ، وهو الذي قوي يقينه بأنه مجرى للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصفات ، وأن كلا يحدث جبرا فيكون بائنا عن الانتظار لما يجري عليه ، ويفارق الصبي فإن الصبي يفزع إلى أمه ويصيح ويتعلق بذيلها ويعدو خلفها ، بل هو مثل صبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه فالأم تطلبه وأنه وإن لم يتعلق بذيل أمه فالأم تحمله ، وإن لم يسألها اللبن فالأم تفاتحه وتسقيه ، وهذا المقام والتوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته ، وأنه يعطي ابتداء أفضل مما يسأل ، فكم من نعمة ابتدأها قبل السؤال والدعاء وبغير الاستحقاق ، والمقام الثاني لا يقتضي ترك الدعاء والسؤال منه ، وإنما يقتضي ترك السؤال من غيره فقط .
شرح
أعلاها ) أن ( يكون بين يدي اللّه تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه ) في حال ( إلا أنه يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت ) يمينا وشمالا ، ( وهو الذي قوي يقينه بأنه مجرى للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصفات ، وإن كان يحدث جبرا فيكون بائنا عن الانتظار لما يجري عليه ) وهذا بعينه مفاد قول سهل رحمه اللّه تعالى . قال القشيري ، قال سهل بن عبد اللّه أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي اللّه تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد لا يكون له حرجة ولا تدبير . وقال صاحب القوت :
وقد كان سهل يقول : تلقى نفسك في اللج وتحت جريان الحكم . وقال مرة : تكون بين يديه مثل الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف شاء وأنشدت لبعضهم :ولما رأيت القضاء جاريا * لا شك فيه ولا مرية
توكلت حقا على خالقي * وألقيت نفسي مع الجرية( ويفارق الصبي فإن الصبي يفزع إلى أمه ويصيح ) باسمها ( ويتعلق بذيلها ويعدو خلفها ) حيث مشت ، ( بل مثال هذا مثال صبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه فالأم تطلبه وأنه وإن لم يتعلق بذيل أمه فالأم تحمله وإن لم يسألها اللبن فالأم تفاتحه وتسقيه ) وجعل الكمال محمد بن إسحاق هذه الدرجة الثالثة أن يكون في قوّة اعتماده وعدم اضطرابه كرجل غذاؤه بين يديه وهو يتناول منه فإن طمأنينته أكثر من الأول والثاني . ( وهذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته وأنه يعطي ابتداء أفضل مما يسأل ، فكم من نعمة ابتدأها قبل السؤال والدعاء وقبل الاستحقاق ) لها ، وإنما يثمر ذلك لأنه مدهوش فرح بوجود الرازق عن الرزق بل هو رزقه وبه حياته ( والمقام الثاني لا يقتضي ترك الدعاء والسؤال منه ، وإنما يقتضي ترك السؤال من غيره فقط ) وقد أشار إلى كل من المقامين كلام الصوفية في حد التوكل .