تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
صلّى اللّه عليه وسلم : « من استعز بالعبيد أذله اللّه تعالى » ، وإذا انكشف لك معنى التوكل وعلمت الحالة التي سميت توكلا فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات . الدرجة الأولى : ما ذكرناه ؛ وهو أن يكون حاله في حق اللّه تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل . الثانية : وهي أقوى أن يكون حاله مع اللّه تعالى كحال الطفل مع أمه ، فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى أحد سواها ولا يعتمد إلا إياها ، فإذا رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلها ، وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه : يا أماه ، وأول خاطر يخطر على قلبه أمه ، فإنها مفزعه ، فإنه قد وثق بكفالتها وكفايتها وشفقتها ثقة ليست خالية
شرح
من النوائب ، فمن امتنع بمن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فقد ذل ، ومن اعتز بعرض الدنيا فهو المخذول في دينه الساقط من عين اللّه تعالى ، والخبر يحتمل الدعاء لأنه طلب العز من غير العزيز وتعلق بالأسباب دون مسببها ، فاستوجب الدعاء عليه أو هو خبر عن أن العبيد كلهم أذلاء تحت قهر العزيز فمن لجأ إلى أحد منهم فقد تعجل ذلا آخر على ذله . وقوله : اعتز هكذا هو في الرواية بالعين المهملة والزاي ، ووقع في كتاب الحكيم ضبطه بخطه بالغين المعجمة والراء من الاغترار وقال : لأن الاغترار بالعبيد منهاجه من حب الغرار وطلبه له ، فإذا طلب ذلك من العبيد ترك العمل بالحق والقول به ليعظموه فذلك اغتراره بهم فعاقبة أمره الذلة ، إما في الدنيا عاجلا وإما خروجه منها في أذل ذلة وأعنف عنف ، فمن أسلم وجهه للّه وذلت له نفسه نال حظا من عزه ، ومن أعرض عنه واغتر بغيره حرمه غرّه وأخساه وصغره . ( وإذا انكشف لك معنى التوكل ) الذي هو اعتماد القلب وسكونه أو عدم اضطرابه لتعلقه بمسبب الأسباب ورب الأرباب ، ( وعلمت الحالة التي سميت توكلا فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات ) . ( الدرجة الأولى : ما ذكرناه وهو أن يكون حاله في حق اللّه تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل ) أي يكون في قوّة اعتماده على اللّه يجري مجرى اعتماد أحدنا على أشفق الناس وأنصحهم كالوالدين مثلا ، وذلك حال هذا التعلق بهما في كل حالة ، وإن فعلا معه فعلا مخالفا لغرضه فلا يعتقد غشهما بل يعتقد أنهما يريدان له الخير فتراه يفتخر بكفايتهما وكفالتهما فضلا عن الجزع والشكوى . ( الدرجة الثانية : وهي أقوى ) من الأولى ( أن يكون حاله مع اللّه كحال الطفل في حق أمه ، فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى أحد سواها ولا يعتمد إلا إياها ، فإذا رآها تعلق في كل حال بذيلها ) وتشبث به ( ولم يخلها ) تذهب ولا تجيء ، ( وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق على لسانه يا أماه ) يستغيث بها لما يعلم من شفقتها عليه ، ( وأول خاطر يخطر على قلبه أمه فإنها مفزعه ، فإنه قد وثق بكفالتها وكفايتها وشفقتها ثقة ليس خاليا عن نوع