تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ربما نفر طبعه وتعذر عليه تناوله ، ولو كلف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت نفر طبعه عن ذلك وإن كان متيقنا بكونه ميتا ، وأنه جماد في الحال وأن سنّة اللّه تعالى مطردة بأنه لا يحشره الآن ولا يحييه وإن كان قادرا عليه ، كما أنها مطردة بأن لا يقلب القلم الذي في يده حية ولا يقلب السنور أسدا وإن كان قادرا عليه ، ومع أنه لا يشك في هذا اليقين ينفر طبعه عن مضاجعة الميت في فراش أو الميت معه في البيت ولا ينفر عن سائر الجمادات ، وذلك جبن في القلب وهو نوع ضعف قلما يخلو الإنسان عن شيء منه وإن قلّ ، وقد يقوى فيصير مرضا حتى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع إغلاق الباب وإحكامه ، فإذا لا يتم التوكل إلا بقوة القلب وقوة اليقين جميعا ، إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته ، فالسكون في القلب شيء واليقين شيء آخر ، فكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال تعالى لإبراهيم عليه السلام :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] فالتمس أن يكون مشاهدا احياء الميت بعينه ليثبت في
شرح
واشتعلت فيه نارا أيد اللّه العقل بالملك الملهم حتى يمده بعلم يدفع به وسوسة الشيطان وكيده ، فيحنئذ يشعشع شمس اليقين ضباب الوهم وخيال النفس ويتغير القلب عما كان عليه ويعتمد على اللّه تعالى ويطمئن إليه بعد أن كان معتمدا على الأسباب مطمئنا بتدبيره وحوله وقوته ويعرف يقينا أن لا حول ولا قوة إلا باللّه وكل يقين لا ينشأ عنه حال هذا سببه ، ( فإن من يتناول عسلا فيشبه بين يديه بالعذرة ) أي الخرء ( ربما نفر طبعه وتعذر عليه تناوله ) لما قام به من الوهم ، ( ولو كلف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش ) واحد ( أو بيت نفر طبعه عن ذلك وإن كان متيقنا بكونه ميتا وأنه جماد في الحال وأن سنة اللّه مطردة بأنه لا يحشره الآن ولا يحييه وإن كان قادرا عليه ) فإنه ليس بممتنع ولو كان حيا لادعى القوة والشجاعة عليه ( كما أنها مطردة بأن لا يقلب القلم الذي في يده حية ولا يقلب السنور أسدا وإن كان قادرا عليه ) فإن كل ذلك غير ممتنع ( مع أنه لا يشك في هذا اليقين فينفر طبعه عن مضاجعة الميت في فراش أو المبيت معه في بيت ولا ينفر عن سائر الجمادات ) ، وهذا كله عمل الوهم المتعلق بالظنون والاحتمالات البعيدة والنفور من الحقائق الجارية على اختلاف العادات ، ( وهو نوع ضعف فلا يخلو الإنسان عن شيء منه وإن قلّ ، وقد يقوى ) هذا الضعف ( فيصير مرضا ) سوداويا ( حتى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع إغلاق الباب وإحكامه ، فإذا لا يتم التوكل إلا بقوة القلب وقوة اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته ، والسكون في القلب شيء واليقين شيء آخر ، فكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال تعالى ) مخاطبا لخليله عليه السلام حين سأله عن إحياء الموتى :أَ وَلَمْ تُؤْمِنْأي أو لم تصدق بقلبك (قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيفالتمس أن يشاهد إحياء الميت بعينه ليثبت في