لا فاعل إلا اللّه كما سبق واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والآحاد ، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ، ولا وراء منتهى علمه علم ، ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة ، اتكل لا محالة قلبك عليه وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجه ولا إلى نفسه وحوله وقوّته ، فإنه لا حول ولا قوّة إلا باللّه كما سبق في التوحيد عند ذكر الحركة والقدرة ، فإن الحول عبارة عن الحركة ، والقوّة عبارة عن القدرة ، فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين : إما ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربعة ، وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه ، فإن القلب قد ينزعج تبعا للوهم وطاعة له عن غير نقصان في اليقين ، فإن من يتناول عسلا فشبه بين يديه بالعذرة
شرح
نفسك بكشف ) من اللّه تعالى بأن يلهم في روعه ( أو باعتقاد جازم أن لا فاعل ) في الحقيقة ( إلا اللّه كما سبق ) في التوحيد ، ( واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ) بأسرهم ( ثم تمام العطف والعناية والرحمة ) الموسعة ( بجملة العباد والآحاد اتكل لا محالة قلبك عليه وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجه ) من الوجوه ( ولا إلى نفسه وحوله وقوّته ، فإنه لا حول ولا قوة إلا باللّه كما سبق في التوحيد عند ذكر الحركة والقوّة ، فإن الحول عبارة عن الحركة ) والتغير يقال : حال الشيء حولا إذا تغير عن أصله ، ( والقوة عبارة عن القدرة ) في أحد الأصول الثلاثة نفسه وبدنه وقنيته ، وقد جاء تفسيره في حديث مرفوع : لا حول عن المعصية ولا قوة على الطاعة إلا باللّه .
وفي القوت قيل لسهل : ما التوكل ؟ قال : التبرئ من الحول والقوة والحول أشد من القوة يعني بالحول الحركة وبالقوة الثبات على الحركة ، وهو أول الفعل يعني بهذا أن لا تنظر إلى حركتك مع المحرك إذ هو الأول ، ولا إلى ثباتك أيضا بعد الحركة في تثبيته إذ هو المثبت الآخر فتكون الأولية والآخرية حقيقة شهادتك لربه أنه أول آخر بعين اليقين ، فيخرج نفي الشرك بحقيقة التوحيد ، وهذا هو شهادة اليقين أي فعندها يصح توكلك بشهادة الوكيل .
( فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين : إما ضعف اليقين بأحد هذه الخصال الأربعة ) أو بجملها ، ( وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه ) أي المرض المانع لحال التوكل بعد اليقين بالتوحد بالأفعال ، لأن الوهم يتعلق بالتقديرات الإحتمالية ، ( فإن القلب قد ينزعج تبعا للوهم وطاعة له من غير نقصان في اليقين ) وقد ينقاد لطاعة الوهم كما ينقاد لطاعة العقل ، فإذا زين الشيطان بغروره ووعد بالفقر خوف منه تعلق الوهم بإيعاد الشيطان فجبنت النفس وخبث طبعها شفقة على نفسها فيبقى العقل وما فيه من اليقين مستورا تحت ضباب الوهم وشهوة النفس ، فإن ازداد اليقين ضياء