إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 135
بيان حال التوكل : قد ذكرنا أن مقام التوكل ينتظم من : علم ، وحال ، وعمل ، وذكرنا العلم . فأما الحال فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه ، وإنما العلم أصله والعمل ثمرته ، وقد أكثر الخائضون في بيان حدّ التوكل واختلفت عباراتهم ، وتكلم كل واحد عن مقام نفسه وأخبر عن حده كما جرت عادة أهل التصوّف به ، ولا فائدة في النقل والاكثار ، فلنكشف الغطاء عنه ونقول : التوكل مشتق من الوكالة ، يقال : وكل أمره إلى فلان أي فوّضه إليه واعتمد عليه فيه ، ويسمى الموكول إليه وكيلا ، ويسمى المفوّض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتهمه فيه بتقصير ولم يعتقد فيه عجزا وقصورا ، فالتوكل الفصل الأول [ بيان حال التوكل ] في بيان حال التوكل وفيه أيضا ذكر الأسباب المانعة منه بعد العلم والمعرفة : اعلم أنا ( قد ذكرنا أن مقام التوكل ) كغيره من مقامات اليقين ( ينتظم من علم وحال وعمل وذكرنا العلم ) في الفصل الذي قبله وذكرنا أنه ينبني عليه حال التوكل والتسليم ، فإذا ثبت في النفس ثبوتا اعتقاديا أو كشفيا أو ذوقيا أو عرفانيا نتج عنه الحال فشرع في ذكر الحال وقال : ( فأما الحال ؛ فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه ) وهو وسط بين طرفي العلم والعمل ، ( وإنما العلم أصله ) وأساسه ( والعمل ثمرته ) ونتيجته ، ( وقد أكثر الخائضون في بيان حدّ التوكل واختلفت عباراتهم ) فيه ( وتكلم كل واحد عن مقام نفسه ) الذي أقيم فيه ، ( وأخبر عن حده ) ورسمه ( كما جرت عادة أهل التصوف به ) وقد يكون ذلك لا إخبارا عن مقام نفسه بل عن مقام السائل فهذا سبب اختلاف عباراتهم ( ولا فائدة في النقل والإكثار ، فلنكشف الغطاء عنه ونقول ) : ( التوكل : مشتق من ) لفظ ( الوكالة ) بفتح الواو والكسر لغة فيه . ( يقال : وكل أمره إلى فلان ) من باب وعد وكلا بالفتح ووكولا بالضم ( أي فوّضه إليه واعتمد عليه فيه ) واكتفى به ، ( ويسمى الموكل إليه وكيلا ) فهو فعيل بمعنى مفعول وقد يكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ ، ومنه قوله تعالى : نِعْمَ الْوَكِيلُ [ آل عمران : 173 ] وجمع الوكيل وكلاء ، ( ويسمى المفوض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه ) كلاهما بمعنى إلا أن الإتكال من باب الافتعال والاسم منه التكلان بالضم والتوكل من باب التفعل . ( مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتهمه فيه بتقصيره ولم يعتقد فيه عجزا ولا قصورا ) فهذه المعاني لازمة للمفوّض إليه ، ( فالتوكل ) حينئذ ( عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ) ووثوقه به ( ولنضرب