شرح
أن الحكماء ذهبوا إلى أن مشيئة الفعل الذي هو الفيض والوجود لازمة لذاته كلزوم سائر الصفات الكمالية فيستحيل الإنفكاك بينهما ، فقدم الشرطية الأولى واجب صدقه ، ومقدم الثانية ممتنع الصدق ، وكلتا الشرطيتين صادقتان في حق الباري سبحانه .
وأما الصوفية قدس اللّه أسرارهم فيثبتون له تعالى إرادة ذاتية زائدة على الذات والعلم بالنظام الأكمل واختيار في إيجاد العالم ، لكن لا على النحو المذكور من اختيار الخلق الذي هو تردد واقع بين أمرين كل منهما ممكن الوقوع عنده فيترجح عنده أحدهما بمزيد فائدة أو مصلحة يتوخاها فمثل هذا يستنكر في حقه سبحانه . كما تقدم بيان ذلك في تقرير المصنف قبل هذه المقالة فإنما معلوماته تعالى سواء قدر وجودها أو لم تقدر مرتسمة في عرصة الإمكان أزلا وأبدا ومرتبة ترتيبا أكمل منه في نفس الأمر وإن خفي ذلك على الأكثرين فالأولية بين أمرين يتوهم وجود كل منهما إنما هو بالنسبة إلى المتوهم المتردد أما في نفس الأمر فالواقع واجب وما عداه مستحيل الوجود وعلى هذا تخريج هذه المقالة فتدبر ، واللّه أعلم .
تنبيه :
قال الشيخ سيدي أحمد بن مبارك في آخر كلامه على هذه المقالة فالحاصل : أن ما نسب إليه في المسألة إن كان دليله الظلم المناقض للعدل فقد نفاه في مواضع من كتابه الاحياء ، وإن كان دليله البخل فقد نفاه في كتابه الإقتصاد ، وإن كان دليله أنه يخالف الحكمة فقد أبطله في الاحياء وفي الإقتصاد ، وإن كان دليله الاستحسان العقلي ومراعاة الصلاح والأصلح فقد أبطله فيهما وفي القسطاس ، وإن كان دليله الاستحسان المتفق عليه الذي عوّل عليه السيد السمهودي فقد أبطلناه فيما سبق ، وإن كان دليله ما سبق في العلم والمشيئة كما عوّل عليه المذكور أيضا فقد ذكرنا أنه مصادرة على المطلوب ، وإن كان دليله أن الناقص لا يصدر عن الكامل فقد بينا بطلانه فيما سبق ا ه .
وقد فهم من كلامه أن المسألة باطلة بسائر وجوهها وليس لها موضع عند أهل العلم تحمل عليه وأنه محكوم عليها بالفساد وهو أمر عجيب ، ولو فتحت له كوّة إلى عالم الملكوت لشاهد ما شاهده الصالحون ويكشف له من أسراره ما كشف للعارفين ، وقد فهموا قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[ الحجر : 21 ] وعلقوا قول المبلّغ صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه كره لكم البيان كل البيان » فحقيقة بيان البيان محرم عند ذوي الإيقان ، ومقام الصالحين يقصر عن شهادة الشاهدين ، وقد سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم رجلا يقول : اللهم أرنا الدنيا كما تراها فقال : « لا تقل هكذا فإن اللّه لا يرى الدنيا كما تراها ، ولكن قل اللهم أرني الدنيا كما يراها الصالح من عبادك » فالصالحون في الغرفات آمنون والشهداء عند ربهم واللّه غالب على أمره لا حول ولا قوة إلا باللّه ، ولا يشك هو ولا نحن ولا من له نصيب من الإيمان أن الإمام أبا حامد الغزالي من أكابر أهل