شرح
فصل
ومن المنتصرين عبد القادر بن مصطفى الصفوري الدمشقي الشامي المتوفي سنة 1081 كتب إلى الإمام المحدث أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن سالم الحنبلي من مدينة نابلس سنة 1179 قال :
أخبرنا المحدث المعمر عبد الرحمن بن محيي الدين بن سليمان الدمشقي ، أخبرنا الإمام المؤرخ أمين الدين محمد بن فضل اللّه بن محب اللّه بن القاضي محب الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر العلواني المحمدي الدمشقي قال : قال العلامة عبد القادر بن مصطفى الصفوري : اعلم أن المحال على قسمين :
محال لذاته ومحال لغيره ، فإن الممكن قد يصير محالا لغيره وواجبا لغيره . مثاله : بعث الموتى من قبورهم ممكن في حدّ ذاته لأنه إذا خلى العقل ونفسه حكم بجوازه ، لكن لما أخبر سبحانه صار واجب الوقوع بالنظر إلى أن خبر اللّه لا يتخلف وعدمه صار محالا لغيره بهذا الاعتبار ، فإذا تقرر ذلك علمت أن ما قاله حجة الإسلام حق ، وإيضاحه : إنما هو بعد أن تعلم أن علم اللّه قديم وأنه تعلق في الأزل بأن الممكن الذي وجد يوجد في أي زمان في أي مكان وعلى أي صفة ، وحينئذ فوقوعه على خلاف ما تعلق به العلم محال لغيره ، لأنه لو وقع على خلاف ذلك لزم انقلاب العلم جهلا وأنه محال في حق الحكيم الخبير العليم القدير ، والإرادة والقدرة تعلقهما بالممكن إنما يكون على وفق تعلق العلم القديم به ، وحينئذ تعلم أن عدم إمكان أبدع مما كان ليس فيه نسبة الجهل ولا نسبة العجز إلى الملك الديّان وكيف ذلك بحجة الإسلام الذي ملأت معلوماته الدنيا ، بل عدم إمكانه إنما هو لعدم تعلق الإرادة والقدرة بما يلزم عليه من المحال ، فتدبر ذلك يندفع عنك خيال أوهام من لم يعلموا مواقع الكلام ولم يذوقوا دقائق العلوم ، فكل مطمح انظارهم اعتراض أكابر العلماء والطعن على ورثة الأنبياء كأنهم صاروا لهم ضدا ، فصرف اللّه أذهانهم عن الوصول إلى غوامض المعاني وتمسكوا بظواهر المباني . ومن أجاب بأن « ما » موصولة لم يصادف محلا لأن المنقول عن الإمام أنه قال ليس في الإمكان الخ وليس هو إلا ليس ا ه .
فهذا ما بلغني من كلام الأئمة في تحقيق هذه المقالة ردا وتسليما ولم آل جهدي في جمعها وحسن ترتيبها مع الكلام في بعض المواضع منها والكلام فيها كثير ، وما غاب عني أكثر مما حضر لدي ولكن قليل يوعى خير من كثير ينسى ولقد عنّ لي أن أنحو منحى الكرام وأدلي دلوي مع هؤلاء الأعلام وإن كنت مزجي البضاعة سكيتا مخلفا عند أرباب هذه الصناعة . فأقول ناظرا إلى سياق المصنف من أوله متنبها لسرائره في خصوص هذا المقام : اعلم أنه ذهب المليون كلهم إلى أن اللّه تعالى قادر أي يصح منه إيجاد العالم وتركه ، فليس شيء منهما لازما لذاته بحيث يستحيل انفكاكه عنه .
وأما الفلاسفة فإنهم قالوا : إيجاده للعالم على النظام الواقع من لوازم ذاته فيمتنع خلوّه عنه فأنكروا القدرة بالمعنى المذكور لاعتقادهم أنه نقصان ، وأثبتوا له الإيجاب زعما منهم أنه الكمال التام . وأما كونه تعالى قادرا بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فهو متفق عليه بين الفريقين إلا