شرح
فأجاب بقوله : إن إيجاد عالم آخر أبدع من هذا العالم مستحيل لأنه لم يرد به الكتاب ولا السنة المبينة عن اللّه تعالى ، ولو كان جائزا لورد به الكتاب قال اللّه تعالى :ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[ الأنعام : 38 ] فعلم أن ذلك مستحيل ولا نقص في القدرة ا ه .
قال الشيخ سيدي أحمد بن مبارك . وفيه نظر من وجوه .
أحدها : إن الكتاب والسنة قد وردا بذلك وقد سبق ذلك في صدر الكلام يعني به ما أورده من الآيات التي أوردها البقاعي في رسالته ، وكذلك أورد جملا من الأحاديث .
ثانيها : أن الكتاب والسنّة إنما يستدل بهما في الأمور النقلية التي لا دخل للعقل فيها ، وأما أحكام العقل الصرفة التي قيل أنها نفس العقل التي هي العمل بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات فهي في الأمور الضرورية التي لا يحتاج فيها إلى دليل نقلي .
ثالثها : أن ما ذكره معارض بكل علم بديهي كعلمنا بأن الأربعة زوج وأنها نصف الثمانية ، وإن الواحد نصف الاثنين فيقال : إن هذه العلوم لم يرد بها كتاب ولا سنّة فتكون مستحيلة لأن كل ما ليس في الكتاب ولا في السنّة مستحيل على قاعدة جوابه .
فصل
ومن المنتصرين العارف باللّه أبو العباس أحمد بن عيسى البرنسي الشهير بزروق قال في شرح القواعد للإمام حجة الإسلام عند قوله فيها : ولا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها واعدلها . فقال : يعني كل بارز القدرة وتخصص بالإرادة وأتق بالعلم الإلهي لا يصح أن يكون ناقصا في وجوده لكمال الأوصاف المنسوب إليها بقصدها وتقصيدها ، ثم التقبيح والتحسين العقلي في محله والعادي في محله والشرعي في محله ، لأن ما ذكر بحسب الحكمة وظهور النسب بالنسبة إلينا وعلى ما ذكر هنا يتخرج ما نسب إليه من قوله : « أن ليس في الإمكان أبدع مما كان » يريد أن ما كان ويكون إلى الأبد متى حصل في حيز فلا أبدع منه لأن العلم اتقنه ولا نقص في إتقانه والإرادة خصصته ولا نقص في تخصيصها والقدرة أبرزته ولا نقص في إبرازها ، فبروزه على أبدع الوجوه وأكملها ، وعلى هذا تفهم هذه الكلمة وإلا لزمه القول بقصور القدرة وما معها من الأوصاف وذلك باطل لا يقوله أحمق فضلا عن عاقل ا ه .
قال الشيخ سيدي أحمد بن مبارك : ولا يخفي ما فيه لو كان نقص الأثر يستلزم نقص المؤثر وأوصافه لكان وجود غير الأبدع مستحيلا ولكان وجود الأبدع واجبا ، وذلك يجر إلى التعليل وينفي الاختيار ، فالصواب أن ذلك اللزوم ممنوع ووجود الأبدع وغيره جائز والاختيار شامل والقدرة عامة ولا نهاية لمتعلقاتها . هذا إن أراد اللزوم في نفس الأمر وإن أراد بحسب عقولنا وما تقتضيه الحكمة في نظرنا ورأينا فقد سبق ما فيه من كلام الزركشي .