شرح
مذهب المعتزلة فلأن ادخاره عندهم ظلم ينافي العدل فأتى بكل جملة لفريق وليس مراده بالجملتين التقرير على مذهب واحد ، ونظير ذلك ما لو سئل الشافعي عن رجل توضأ ولم ينو ومسح القليل من رأسه فقال : وضوءه باطل لأنه لم ينو ولم يمسح ربع رأسه قاصدا بذلك بطلان وضوئه إجماعا ، ولو اقتصر على قوله : لأنه لم ينو لكان كافيا لكنه لا ينتهض دليلا على الإبطال إلا على مذهبه فقط لا على مذهب الحنفي ، فضم إليه ما يقرر إبطاله على مذهب غيره أيضا ، ويؤيد أن هذا الذي فهمته هو مراد الغزالي أنه لم يذكر الجملتين إلا في الاحياء فقط ، ولم يذكر في الجواهر جملة العدل بل اقتصر على جملة الفضل والجود التي يتم بها الدليل على مذهب أهل السنة إما اكتفاء بذلك وعدم الالتفات إلى مذاهب المبتدعة ، وإما إرادة الإيجاز ، وإما إزالة للإيهام الذي توهمه عبارة الأحياء ا ه .
وقد تعرض له الشيخ سيدي أحمد بن مبارك فقال : لو عبرّ حجة الإسلام كذلك لقرب الحال ولكنه قال : لو ادخره مع القدرة لكان بخلا يناقض الجود وأهل السنة ينزهون ربهم عن وصفه بالبخل ، فقد بان أن العبارة الأولى لا تأتي على مذهب أهل السنة . قال ابن التلمساني في شرح المعالم بعد ذكره مذاهب البغداديين من المعتزلة في وجوب رعاية الأصلح : وهؤلاء أخذوا مذاهبهم من الفلاسفة وهو أن اللّه تعالى جواد وأن الواقع في الوجود هو أقصى الإمكان ولو لم يقع لم يكن جوادا . وقال ابن الهمام في المسايرة : إن المعتزلة يقولون : إن ترك مراعاة الأصلح بخل يجب تنزيه الباري عنه ، فكما أن الشق الثاني مفرع على أصول المعتزلة كذلك الشق الأوّل ا ه .
قلت : جواب السيوطي رحمه اللّه تعالى في غاية التحرير والإتقان وليس فيه إلا الذي أشار إليه المعترض من ذكر لفظ البخل وهو قد أجاب عنه في كتابه المذكور ، ولو اطلع عليه المعترض لهدرت شقشقته وذلك فيما أوردته سابقا وهو قوله : وأما إطلاق لفظة البخل الواقعة في حيز الامتناع فإنما أراد بها الغزالي المبالغة في تقريب الدليل إلى الأذهان فكأنه قال : لا شك أن الباري تعالى جواد لا يبخل وهو منزه عن البخل ، والجواد لا يخص بعطائه أحدا دون أحد إلا لحكمة ، وقد قتر على أناس كما وسع على آخرين ، فلو لم يكن تقتيره على أولئك لحكمة وأنه هو الأصلح في حقهم لكان منافيا للجود والفضل وهو في حقه تعالى محال تنزه عما ينافي صفة الجود والأفضال ، وبقية هذا الكلام أسلفناها فاطلبها فيما تقدم ، ثم قال : والعجب كل العجب ممن اتهم حجة الإسلام بأنه في هذه المسألة نازع إلى مذاهب المعتزلة وهو قد صرح في كلامه بما يناقض مذهبهم حيث قال في صدر كلامه : وما خلق اللّه من إيمان وكفر وطاعة ومعصية الخ . فانظر كيف نسب خلق الكفر والمعصية إلى اللّه تعالى كما هو مذهب أهل السنّة ، والمعتزلة لا يقولون بذلك ، بل يزعمون أنهما من خلق العبد كما هو معروف عنهم .
فصل
ومن المنتصرين ولي اللّه العارف به سيدي عبد الوهاب الشعراني رحمه اللّه تعالى قد نقلنا عنه فيما سبق جواب الشيخ محيي الدين والشيخ عبد الكريم الجيلي أو محمد المغربي نقل ذلك ، في كل من كتابيه