تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
شرح
الأمكانين واحدية المشيئة فيه ، وما تعلقت المشيئة الإلهية بكونه فلا بدّ من كونه ، وما لا بدّ من وقوعه لا يتصف بالإمكان بالنظر إلى هذه الحقيقة الحيثية . وكلام صاحب الفتوحات نص في أن المرجح لا يفارق كلا من الوجود والعدم حيث قال في الباب السابع والأربعين وثلاثمائة : إن الأشياء لما كان الإمكان لا يفارقها طرفة عين ولا يصح خروجها منه لم يزل المرجح منها لأنه لا بدّ أن يتصف بأحد الممكنين من وجود وعدم ا ه . يوضحه قوله تعالى :إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ[ إبراهيم : 19 ، 20 ] أي بممتنع ولا ينتفي الامتناع إلا عند إمكان الذهاب والإتيان بخلق جديد ، لكنهما لم يقعا بل الواقع الترجيح للوجود إلى الأجل المسمى مع النص أن الإمكان ما فارقه ، وكذلك قوله تعالى :إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً[ النساء : 133 ] فإن المقدورية فرع الإمكان مع أن الواقع ترجيح الإبقاء فتأمل . فصل ومن المنتصرين الحافظ الكبير جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه اللّه تعالى فإنه صنف كتابا في هذه المسألة وسماه ( تشييد الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان ) ردّ به على البرهان البقاعي تأليفه المتقدم ذكره قال فيه : وبعد فقد نقل عن الإمام حجة الإسلام ولي اللّه تعالى أبي حامد الغزالي رضي اللّه عنه أنه قال : ليس في الإمكان أبدع مما كان ، وقد استنكر ذلك بعض العلماء الموجودين وادعى أن ذلك إما مدسوس في كتابه أو زلة صدرت من عالم ، وأن هذا الكلام يلزم منه استعجاز القدرة الإلهية واستقصارها كما يقوله الفلاسفة أو وجوب الأصلح على اللّه كما يقوله المعتزلة ، وألف في ذلك كتابا سمّاه ( تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان ) وذكر فيه أشياء مما لو عرض على أجهل السوقة لم يشك في صلاحية القدرة له ، فضلا عن طالب علم فضلا عن عالم فضلا عن مثل حجة الإسلام ، ولما رأيت هذا الكلام من المنكر صادرا عن عدم الوقوف على مقصد حجة الإسلام تعجبت من ذلك كل العجب ، وقد وقع الإلحاح علي في الكتابة بالرد عليه وأنا أرى أن الأولى السكوت ولزوم البيوت حتى شرح اللّه صدري لإبانة مقصد هذا الإمام بالطريق القويم رجاء الهداية إلى الصراط المستقيم ، فرقمت هذه الأحرف وسميتها ( تشييد الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان ) ثم ذكر فيه أشياء نفيسة وتحقيقات بديعة ، واستدل على المطلوب بكلام الأئمة وأحاديث واثار وأحسن فيه غاية الإحسان ، وقد أدرجت غالب ما أراده في أثناء ما تقدم من السياق على حسب المناسبة ، ومن جملة ما ذكر فيه : وكنت قد توقفت فيما استشكلوه من كلامه أياما حتى من اللّه علي بحله بعد التضرع إليه فألهمني وله الحمد أن حجة الإسلام رضي اللّه عنه إنما أراد تقرير الدليل على مذهب الفريقين معا ليتم له دعوى عدم الإمكان على المذهبين فكأنه قال : هو محال إجماعا من الفريقين أما على مذهب أهل السنة فلأن ادخاره مناف للفضل وهو الذي عبر عنه بالجود الإلهي ، وأما على