تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
شرح
المقام من قول المعترض ، إذ لا يلزم من ثبوت النقص في المفعول ثبوت النقص في الفاعل ، فالمجيب في واد وبين الواديين كما بين السماء والأرض ، وأهل مشاهدة هذا المقام إنما ينظرون إلى ما أعطاهم الكشف الصحيح المطابق بمعيار عين اليقين وإن لم يخرج ذلك على معيار العقول والعادة ، وحينئذ ظهر لك أن لا تدافع في كلام المجيب ، وقوله : وإلا فالحادث كله ناقص الخ هذا ممنوع بل كله كامل والكمال والنقصان من المتضايفات ، فقد يكون الشيء كاملا من وجه ناقصا من وجه آخر ، فهو بالنظر إلى أنه صنعة الحكيم القادر فإنه في غاية الإتقان والكمال ليس فيه نقص أبدا ويكفي في ثبوت كماله هذا القدر بهذا الوجه ، فبطل قوله فلو كان نقص الفعل يسري إلى الفاعل لزم امتناع وجود الإبدع لنقصه بالحدوث . وأما ثانيا : فقول المعترض لأن المسألة راجعة إلى القدرة الخ . قلت : بل المسألة راجعة إلى أول مقام من المحبة الذي هو من مقامات الرضا وأوسط حال في التوكل والتسليم والتفويض ، وكل منها من مقامات اليقين وأبواب الإيمان ولا ذكر فيها للقدرة نفيا وإثباتا . فإن ادعيت أنها تفهم العجز في القدرة الإلهية فأقرأ صدر كلام المصنف يظهر لك إثباتها ، فما من موحد للّه تعالى معترف بربوبيته شاهد لوحدانيته إلا وهو معترف بكماله تعالى في ذاته وفي صنعه مفوّض إليه أمره مستسلم له ؛ فهذا هو الذي أراده المجيب بقوله : وقد أجمع أهل الملل على أن هذه الجملة ساقطة في سياق الجواهر والدرر كما قدمناه . وأما ثالثا : فقوله : وهذه الأمة أثبتت لربها الاختيار كأنه فهم أن قول المجيب لا يصدر من الكامل إلا كامل مما يوهم سلب الاختيار عن الفاعل المختار ، بل يكون بالإيجاب بالذات كما تقوله الفلاسفة وليس كذلك ومن أين يؤخذ ذلك منه فالفاعل المختار كامل في ذاته وصفاته وله الاختيار قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل والكامل في ذاته وصفاته فاعل مختاروَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ[ القصص : 68 ] وصنعه الذي أظهره على وصف الكمال والتمام لا نقص فيه من حيث أنه صنعه وهو القادر المطلق الصانع البديع المتقن لا إله إلا هو سبحانه وتعالى . فصل ومن المنتصرين الإمام المشهور شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، وهو ممن جمع اللّه له بين الفقه والتصوف قال : لا يحل لأحد أن ينسب إلى أبي حامد القول بأنه تعالى عاجز عن إيجاد ما هو أبدع من هذا العالم ، فإن هذا الفهم منشأه توهم أن المراد بالإمكان في عبارته بمعنى القدرة أي ليس في القدرة أبدع مما كان وليس كذلك ، بل هو بمعناه المشهور المقابل للإمتناع والإيجاب ، لكن بحذف مضاف أو بجعله بمعنى الممكن من باب إطلاق المصدر على اسم الفاعل ، فمفاد عبارة حجة الإسلام أنه ليس في جانب الإمكان أوليس في الممكن أبدع مما تعلقت به القدرة وهو حق ، إذ الوجود خير من العدم . ومفاد عبارة المعتزلة ما صرحوا به من أنه تعالى لا يقدر على إيجاد أبدع مما فعله بكل أحد وهو باطل عند حجة الإسلام كسائر أهل السنة لبنائه على وجوب الأصلح عليه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 126 | مرتضى الزبيدي