تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
شرح
ذلك أكمل وأبدع حسنا من هذا العالم الذي أظهره لنا إذ لو كان هذا العالم يدخله نقص لتعدى ذلك إلى خالقه ، فتعالى عن ذلك علوّا كبيرا وقد أجمع أهل الملل كلها على أنه لا يصدر عن الكامل إلى كامل . قال تعالى :وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ[ الذاريات : 47 ، 48 ] ومعلوم أن الامتنان والإمتداح لا يكون إلا فيما هو كامل الأوصاف وإلا فكيف يمتن الحق تعالى ويمتدح عند خلقه بمفضول . هذا نص الجواب في كتاب الأجوبة المرضية للشعراني . وذكره في الجواهر والدرر إلا أنه قال : فإن ذلك أكمل وأبدع حسنا من هذا العالم بالنسبة إليه تعالى وحده ، فلو كان هذا العالم يدخله نقص ما قال تعالى :وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍالآية في مقام الإمتداح واعلم أن الإمتداح لا يكون إلا فيما هو غاية ونهاية لا في المفضول ا ه . وقد ساقه الشيخ سيدي أحمد بن مبارك كما سقناه أولا حرفا بحرف واعترضه فقال : وهذا إن سلم من التصحيف فليس بجواب أيضا . أما أولا : فإنه متدافع إذ أوله يقتضي نفي إمكانه مطلقا ، إذ لو ثبت إمكان الابدع لكان هذا الموجود ناقصا بالنسبة إليه فيسري النقص إلى خالقه تعالى وحينئذ فنختار ما اقتضاه أول الجواب ونمنع ما اقتضاه آخره ، ولا نسلم لزوم النقص في الخالق سبحانه إذ لا يلزم من ثبوت النقص في المفعول ثبوته في الفاعل كما لا يخفى ، وإلا فالحادث كله ناقص لاحتياجه وافتقاره إلى خالقه ، فلو كان نقص الفعل يسري إلى الفاعل لزم امتناع وجود الابدع أيضا لنقصه بالحدوث . وأما ثانيا : فالإجماع الذي عول عليه لا يعتمد في هذا الباب عليه لأن المسألة راجعة إلى القدرة التي هي إحدى مصححات الفعل التي لا يمكن إثباتها بالإجماع كما لا يخفى . وأما ثالثا : فالإجماع الذي هو حجة ومعتصم هو إجماع هذه الأمة الشريفة بالخصوص ولا عبرة بإجماع غيرها من الملل ، وهذه الأمة أثبتت لربها الاختيار وأن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد ا ه . قلت : وإن تأملت هذه الردودات وجدتها في معرض السقوط . أما أولا : فإن المجيب أشار بأول جوابه إلى مقام المعرفة لمعاني الصفات الذي هو من جملة مقامات الرضا وهو مشاهدة الصانع في جميع الصنعة والنظر إلى إتقان الصنع والحكمة ، وإن لم يخرج ذلك على معيار العقول والعادة فلا ينظر شيئا بعين النقص والإحتقار فإنه بمنزلة الغيبة لصانعه لأنه صنعته ونتاج حكمته ونفاد علمه وحكم تدبيره له في كل شيء حكمة بالغة ، لأنك إذا عبت صنعة أحد أو ذممتها سرى ذلك إلى الصانع لأنه كذلك صنعها وعن حكمة أظهرها إذا كانت الصنعة مجبولة لم تصنع نفسها ولا صنع لها في خلقها ، فهذا معنى قوله : لتعدى إلى خالقه وهو كلام صحيح ، وقد مرّ تفسيره نقلا عن أبي طالب المكي وغيره ، فهذا مقام المحب الراضي عن اللّه متأدب بين يديه يستحيي أن يعارضه أو يعترض عليه بنسبة النقص إلى ما صنعه ، فانظر أين هذا