شرح
8 ] فحكم العارف على قدر إدراكه لا على قدر أحكام ربه ، فإن الرب تعالى محيط بكل شيء وليس لأحد إحاطته بنوع من أنواعه من كل وجه ، فإن لكل نوع أحكاما متعددة منها ما أطلع اللّه عليها خواص خلقه ، ومنها ما هو راجع له قال : ومنهم من قال معنى قوله : ليس في الامكان أبدع من هذا العالم إذ كان إبداعه عين وجوده فليس غير ذلك يعني أنه ليس في الإمكان أبدع من وجوده ، فإنه ممكن في نفسه وما استفاد إلا الوجود فلا أبدع في الإمكان من الوجود وقد حصل فإنه ما يحصل للممكن من الحق سوى الوجود ا ه .
وقد تعرض الشيخ سيدي أحمد بن مبارك لجوابه الأول الذي يقول فيه : ولعله إنما أراد تعظيم صنعة الصانع ما نصه ، وذلك لأن الإله الحق سبحانه ثبت له الاختيار المطلق واستحال في حقه الظلم والبخل والعجزة ، فقوله في دليله السابق : إذ لو كان أبدع من هذا العالم وادخره مع القدرة عليه لكان بخلا وظلما مخالف لذلك ، فعلى هذا فإذا كان هناك أبدع من هذا العالم ولم يفعله فذلك لكمال اختياره وتعاليه في عظمته وسلطانه لا لما قاله هنا من أن ذلك بخل وعجز وظلم تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . قال : وفي قوله بالنسبة إلى إدراك العقول النيرة الخ فيه نظر ، فإن العقول النيرة تدرك في بداية نظرها جواز وجود ممكن أبدع ولا تحتاج في ذلك إلى فكر وروية ، لأن ذلك راجع إلى العلم بجواز الجائزات التي قيل : إنها نفس العقل . وقوله فحكم العارف على قدر إدراكه أقول إن ذلك يدق ويخفى على غالب العقول ، وأما الظاهر المبذول الضروري فلا فرق بين عارف وغيره فمن وافقه وافق الصواب ومن لا فلا .
فصل
ومن المنتصرين الشيخ عبد الكريم الجيلي صاحب الإنسان الكامل فإنه أجاب : بأن كل واقع في الوجود قد سبق به العلم القديم ، فلا يصح أن يرقى عن رتبته في العلم الإلهي ولا ينزل عنها فصح قول الإمام ليس في الإمكان أبدع مما كان هكذا ذكره الشعراوي في كتاب الأجوبة المرضية .
ووجدت بخط شيخنا المرحوم الشمس الحفني رحمه اللّه تعالى هذا الجواب له أبسط مما هنا وذلك أنه قال : سئل عن هذا القول فأجاب : إنه قول صحيح لأن ما كان قد تعلق به العلم القديم بلا شك وما تعلق به العلم القديم لا يقبل زيادة أبدا ، إذ لو قبل الزيادة لقبلها العلم القديم ولا قائل به ، فصح أنه ليس في علم الحق تعالى أبدع من هذا العالم انتهى .
وهذا هو نص الشعراني في الجواهر والدرر . قال : وذكر الشيخ محي الدين في الباب الثاني والسبعين وثلاثمائة من الفتوحات نحو ذلك فقال في حديث : « إن اللّه جميل يحب الجمال » أي إن اللّه صانع العالم والعالم كله في غاية الجمال ما فيه شيء من القبح ، بل قد جمع اللّه له الحسن كله والجمال ، فليس في الإمكان أجمل ولا أبدع ولا أحسن من هذا العالم ، ولو أوجد تعالى ما أوجد إلى ما لا