شرح
ما في الإمكان أبدع من هذا العالم لكمال وجود الحقائق كلها فيه ، وهو العبد الذي ينبغي أن يسمى خليفة ونائبا ، وله الأثر الكامل في جميع الممكنات ، وله المشيئة التامة وهو أكمل المظاهر .
وفي حكمة الإشراق للسهروردي : المقتول ولا يتصور الوجود إلا كما هو عليه ، إذ لو تصور الوجود وأمكن أن يكون أحسن مما هو عليه لوجد من الموجب لذاته لعدم البخل . قال الشارح وهو القطب الشيرازي : وهذا ما ذكره الغزالي في بعض كتبه ، ونقله عنه الشيخ الكامل محي الدين في الفتوحات واستحسنه ا ه .
وقد تعلق المعترضون بهذا أن كلام المصنف مبناه على كلام الفلاسفة وهو غلط ، فإن مساق كلام المصنف غير مساق كلامهم ، ولاشتباه المقالتين ظن الشارح المذكور أن الغزالي اقتبسه من كلامهم ولا يتصور ذلك ولا يحكم عليه به فتأمل . وقال الشيخ الأكبر في الفصوص في الفص الأيوبي : فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه على صورة الرحمن .
وقد اعترض عليه ، وأنه منتزع من كلام الفلاسفة وليس كذلك ، بل هو منتزع من الكتاب والسنة ، والمراد بالعالم الانسان قال اللّه تعالىلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[ التين : 4 ] وفي الخبر المتقدم بذكره « إن اللّه خلق آدم على صورته » . والآية نص قاطع في أن الصورة التي خلق عليها الانسان لا أبدع منها لما فيها من المحاسن والحكم .
فصل
ومن المنتصرين ابن القريسينى قال البدر الزركشي في تذكرته : إنه رأى له جزءا أفرده في الكلام على هذه العقدة وقال : معناه تناهت القدرة في خلق هذا البشر أي أن هذا البشر الذي هو زبدة المخلوقات غاية في إظهار كمال القدرة والتعبير عنهما ، وأراد بالبشر محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فإنه الفاتح الخاتم أي روحه ، فإن أول ما خلق اللّه روح محمد ومنه تستمد الأرواح .
فصل
ومن المنتصرين العلامة بدر الدين محمد الزركشي من كبار أئمة الشافعية . قال السيوطي : بلغني أنه تكلم على هذه الكلمة في تذكرته فطلبته حتى وقفت عليه فقال فائدة ، قال الغزالي : ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه لو كان ممكنا ولم يفعله كان بخلا يناقض الجود وعجزا يناقض القدرة ، وهذا من الكلمات العقم التي لا ينبغي إطلاق مثلها في حق الصانع ، لكن الظن به أنه إنما أراد بها تعظيم صنعة الصانع لا يصنع أحد صنعته ولا تنكر في بواطن الابداع حكمته فقد أوجد ما لا يمكن العقل إنكاره ، فليس في الامكان ممكن أبدع من الانسان لاشتماله على أحكام أنواع الوجود ، فهو في غاية الحكمة بالنسبة إلى إدراك العقول النيرة لا بالنسبة إلى عالم السر والخفية الكامل المطلق الذي لا تنتهي أحكامه ولا تنفد عجائبه ، فمراده ليس في الإمكان باعتبار ما تقتضيه العقول لا باعتبار ما في غيب اللّه تعالى ، ولهذا قال تعالىوَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ[ النحل :