شرح
اثبات القدرة للّه تعالى ، ولو تأملوا فيما ذكرناه أولا أن النفي في كلامه ليس منصبا على إمكان الوجود ، بل على كونه أبدع لم يتوقفوا في فهم كلامه ولا جلبوا هذه العبارات التي لا طائل تحت أكثرها ، فإن النفي حينئذ وصف في صفات الممكن لا القدرة البتة . ألا ترى إنك لو قلت هذا الفعل ليس بحسن هل يكون في نفيك الحسن عنه قدح في القدرة أو تعرض لها بوجه من الوجوه ؟
لا . فكذلك إذا قلت هذا الممكن ليس بأبدع وها أنتم قد ادعيتم في الوجود أنه ليس بأبدع مما وجد ، فإن كان في قول المصنف تعرض للقدرة فهو في قولكم أيضا ويلزمكم ما يلزمه ، وليس الأمر كذلك لا في قولكم ولا في قوله ما ينفي القدرة أصلا ، وإنما النفي منصب على وصف من صفات الوجود أو الممكن لا تعرض فيه للقدرة أصلا .
ومن المعترضين من ادعى أنه ليس الكلام في إفراد ما يوجد في هذا العالم ، بل الكلام إنما هو في إمكان عالم آخر غير هذا العالم وهو ممنوع ، بل الكلام إنما هو في الأول كما هو مساق كلام المصنف . نعم كلام الفلاسفة في الثاني وليس هو مراد المصنف ، ومن هنا جاء الغلط عليه فظنوا لاشتباه المقالتين أنهما تواردا على محل واحد ، وليس كذلك لا محلا ولا تصويرا ولا حكما .
وأما الجواب عن عدم ذكره في السؤال الذي تكلم عليه في الاملاء كلمة العدل واقتصاره على جملة الجود خاصة ، إما لكونه أبان لهم عن مراده بها حال التدريس أو عرفهم ذلك لكونهم من أهل الفطنة الزائدة والخبرة بمقاصد المصنفين والمناظرين ، فاستغنوا عن السؤال عنها ، وإنما أوردوا عليه لزوم مثل ذلك من قبل إيجاد العالم فقط وطلبوا الفرق ، فبين لهم فرق ما بين الحالين . وأما إطلاق لفظه البخل الواقعة في حيز الامتناع فإنما أراد بها المصنف المبالغة في تقريب الدليل إلى الأذهان فكأنه قال : لا شك في أن الباري تعالى جواد لا يبخل وهو منزه عن البخل ، والجواد لا يخص بعطائه أحدا دون أحد إلا لحكمة وقد قتّر على أناس كما وسع على آخرين ، فلو لم يكن تقتيره على أولئك لحكمة وأنه هو الأصلح في حقهم لكان منافيا للجود والفضل ، وهو في حقه تعالى محال تنزه عما ينافي صفة الجود والإفضال ، وأنت إذا تأملت ما قاله بعض العلماء في قوله تعالىوَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[ فصلت : 46 ] أن النكتة في العدول عن فاعل إلى فعال أن أدنى الظلم لو فرض صدوره من الباري تعالى لكان عظيما بالإضافة إلى جنابه ، كما يقال : زلة العالم كبيرة ، وجاء النفي بحسب ذلك ، وتأملت قول المتنبي يخاطب بعض الكرام :
ما من إذا وهب الدنيا فقد بخلا .
يريد أن ممدوحه تناهى في الكرم بحيث لو وهب جميع ما حوته الدنيا كان بالإضافة إلى ما يقتضيه مقامه بخلا انحل عندك الإشكال في إطلاق هذه اللفظة .
فصل
ومن المنتصرين الإمام العارف المحقق الملقب بالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس سره أورده في الفتوحات المكية ، وفي الفصوص ، وفي كتاب الشريعة ، ولفظه في الفتوحات على ما نقله