تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
شرح
فإن سلم أن هذا العالم كان تحت الاختيار الممكن ، وكان قد ادعى أن الإدخار مع القدرة محال واسقاط الشق الذي لا جواب عنه يرجح عندي أن هذا الكلام مدسوس عليه ، وليس من كلامه هذا ما يلزم لو سلم كلامه ، لكنه غير مسلم ، بل خلق عالم أبدع من هذا العالم ممكن ولا يثبت المحال بمجرد الدعوى ، بل على من يدعيه البيان . وقوله : فإذا فعل فليس في الامكان أن يفعل إلا نهاية ما تقتضيه الحكمة التي عرفنا أنها حكمة : كلام يناقض الفعل بالاختيار فهو قطعا قول من يقول : إن الفعل ذاتي لا اختياري ، أو قول من يقول : إن الفاعل الطبيعة لا الواحد القهار المتصرف المختار وهم فريق من الفلاسفة ، والأول قول القائلين منهم بقدم العالم بالزمان لا بالذات ، ويكفي في رده أن اللّه تعالى خلق الأرض أولا دون الجبال ، فلما مادت أرساها بالجبال فسكنت فلم يخلقها أولا على نهاية ما تقتضيه الحكمة ، ولقد كان تعالى عالما بأنه تضطرب إذ خلقها ، ولكنه أخر ذلك لحكم عظيمة منها تعليمنا أن لا نهتم بشيء من أمر الدنيا قبل الحاجة إليه بالفعل ، ومنها الرد على قائل هذه المقالة حتى لا تبقى شبهة في أن فعله بالاختيار يخلق الناقص والكامل ولا يسأل عما يفعل هذا آخر ما نقض به البقاعي على الكتب الثلاثة . وقد نحا نحوه الشيخ سيدي أحمد بن مبارك حيث قال في الرد على جواب الاملاء خاصة : إذا ثبت له الاختيار قبل الفعل فيثبت له حين الفعل وبعد الفعل سبحانه لا إله إلا هو ، فإذا كان الاختيار هو السبب في تأخير وجود العالم ، فيجب أن يكون هو السبب في تأخير وجود الأبدع والإعراض عنه ، وحينئذ فقوله : فليس في الامكان إلا نهاية ما تقتضيه الحكمة يقتضي أن الاختيار مسلوب عند الفعل ، وأنه تعالى يجب عليه فعل ما تقتضيه الحكمة ، وحينئذ فيقال لأبي حامد : فإذا كان الابدع عدم تأخير وجود العالم فلم عدل عنه ؟ فيقول : لا محالة ، فيقال إنما عدل عنه ليثبت له الاختيار ، فيقال له : وكذا بعد الفعل إنما لم يجب فعل الأبدع ليثبت له الاختيار ، فإن قال : عند الفعل ، فيسلب عنه وقبله فيثبت له لزمه نفي وصف الاختيار الثابت له أزلا وما ثبت قدمه استحال عدمه ، فهذه حجة واضحة على حجة الاسلام ا ه . قلت : كل منهما دندن حول الحمى ولم يحط بمراد المصنف ولا حام على ما هو بصدد ، وقوله مأخوذ من قول الفقهاء : إن الاحكام تتبع المصالح الراجحة ، فجعل سائر الأفعال كذلك واقعة بحسب المصالح الراجحة من غير تعرض لنفي القدرة أصلا ولا لنفي الاختيار عند الفعل ، فكل فعل أوجده اللّه تعالى دل ايجاده له على أن المصلحة في إيجاده أرجح منها في عدم ايجاده مع صلاحية القدرة قطعا لعدم إيجابه وكل ما لم يوجد دل عدم إيجاده له على أن المصلحة في عدم إيجاده أرجح منها في إيجاده مع قدرته قطعا على إيجاده هذا معنى كلامه في الاحياء وفي الاملاء ، ومقصوده بذلك حث العبد على منتهى مقام التوكل الذي هذه المسألة مذكورة فيه وعلى الرضا بكل قضاء اللّه تعالى ، كما دل عليه سياق صاحب القوت ، ومساق كلامهما يدل على ما ذكرت حتى لا يأسي على شر أصابه ولا خير فاته ، ومن ذا الذي يقول في شر أصابه أن القدرة لا تصلح لعدم إيجاده أو في خير فاته أنها لا تصلح لإيجاده هذا لا يقوله عاقل مسلم ولا كافر ، فإن أهل الملل اتفقوا على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 119 | مرتضى الزبيدي