شرح
فمن حي وميت ومتحرك وساكن وعالم وجاهل وشقي وسعيد وقريب وبعيد وجليل وحقير وصغير وكبير وغني وفقير ومأمور وأمير ومؤمن وكافر وجاحد وشاكر ، ومن ذكر وأنثى وأرض وسماء ودنيا وأخرى وغير ذلك مما لا يحصى ، والكل قائم به بقدرته وباق بعلمه ومنته إلى أجله ومصرف بمشيئته ودال على بالغ حكمته ، فما أكمل من حدثه إلا قدمه ولا من تصرفه إلا استبداده ولا من ملكه إلا ملكه ، فيعود المحدث قديما والمربوب ربا والمملوك مالكا ، فيعود المخلوق من خلقه كهو ، تعالى اللّه عن جهل الجاهلين وتخييل المعتوهين وزيغ الزائغين علوا كبيرا . هذا آخر ما نص عليه في الجواب .
وقد نقض البقاعي عبارة الأربعين والإحياء والإملاء فقال في الرسالة الثانية : وأما التفصيل فقوله في الأربعين : إن الأسباب رتبت على المسببات على أكمل الوجوه وأحسنها وليس في الامكان أحسن منها وأكمل ، يلزم عليه أن ندع كل أحد على ما هو عليه فإن الذي هو عليه مرتب على سبب من الأسباب على الوجه الذي ادعى أنه لا يكون أحسن منه ، فيلزم من ذلك أن يجب علينا أن ندع الكافر على كفره والعاصي على عصيانه إلى غير ذلك مما أمرنا اللّه بخلافه . وقوله : ليس في الامكان أحسن منها من مفهومه أن هداية الكفار لا تمكن لأنه دون ما تقتضيه نهاية الحكمة ، وهذا أمر يناقض صرائح آيات كثيرة وهو نقض للشريعة ، ولا سيما إذا قرنت هذا الكلام بما عقبه به من قوله : ولو كان أي غير ذلك ممكنا لكان أي إيجاده لذلك الواقع مع ادخاره ذلك الأكمل بخلا لا جودا أو عجزا يناقض القدرة ، فإن ذلك يوضح غاية الإيضاح ما قلت ، ويفهم قوله : وليس في الامكان أحسن منها أن ذلك غاية ما يمكن القدرة أن تصل إليه فيناقض حينئذ قول الحجة نفسه أن المقدورات لا نهاية لها وأن كماله سبحانه لا حد له كما تقدم ، ويلزم عليه أن يكون سبحانه غير مختار في أفعاله وأن يكون مسه النصب في ايجاد كل شيء ، فإن من بذل غاية وسعه في عمل شيء تعب ولا يكون في العادة ولا يدخل في العقل غير ذلك ، وهذا يناقض قوله سبحانهوَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ[ ق : 38 ] ويزيد هذا الذي فهمته مما ذكره في الأربعين وضوحا قوله في الاحياء : ما قسم اللّه بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وايمان وكفر وطاعة ومعصية ، فكله عدل محض لا جور فيه وحق صرف لا ظلم فيه ، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي ، وليس في الامكان أصلا أحسن منه ولا أتم ولا أكمل ، فهذا يدلك قطعا على أن ذلك الذي وجد من كل شخص بكل وصف قام به غاية ما تصل القدرة إليه وهو واجب الوجود على ما هو عليه لا يمكن شيء غيره ، ولا أن يكون على حالة غير حالته التي وجد عليها أو أنه إن تحول من حالة كان على دونها في الحسن ، فيلزم عليه أن يكون كفر الكافر أحسن من إيمانه ، ويزيده وضوحا ما بعد من قوله : ولو كان أي في الإمكان أحسن منه وادخره مع القدرة ولم يفعله لكان بخلا يناقض الجود وظلما يناقض العدل ، ولا شك أن هذا إنما يكون كذلك ممن يتوجه عليه الحكم ليكون ، ثم من يوجب عليه أن يفعل غاية وسعه ، فإن قصر عن ذلك مع القدرة عد بخيلا وجائرا وظالما ، وأما من تم ملكه وكمل ملكه فإنه لا يجب عليه شيء