شرح
نفسه وأنصف ، وهذه المسألة قد أجاب عنها بنفسه وصمم عليها ، والمسألة كما ذكرنا من علم سر القدر ومن علوم المكاشفة ولا يمنعه توافق بعض عبارات الفلاسفة معها ، فينبغي التسليم له فيها فإنه أعرف بها ممن أتى بعده ، وكل من تكلم فيها فإنما هو من جهله بحقائق عالم الملكوت ، فإن تطبيق ما بين العالمين في الحقائق والقواعد صعب ، وهو قد أشار إلى ذلك بأنه قد غرق فيه طوائف من القاصرين . وكل متوغل في عالم الملك غير مطلع على أسرار ما بعده فهو من القاصرين . فينبغي أن يقف على ساحل هذا البحر ولا يتوغل فيه وإلا فيغرق مع الغارقين وله الويل إن لم يكن من الناجين .
فصل
والطائفة الثانية قالت : إن هذه المسألة قد دست في كتبه . قال البقاعي في الرسالة الأولى : قد ألحقها في كتابه من لم يراقب اللّه تعالى ، والدليل على ذلك أنها مناقضة لكلامه في جميع عقائده المشهورة وأنه نقلها عن الفلاسفة في كتابه الذي سماه مقاصد الفلاسفة ، وردها هو في كتابه تهافت الفلاسفة ، وأخذها أهل البدع منهم ونقلوها عنهم ، وأجمع الأمة على أنها لا تطلق على اللّه تعالى لاجتماعهم على أن ما يوهم نقصا لا يقال عليه ، وهذه إن لم تكن تفهمه فهي توهمه ، وممن صرح بها بالخصوص البدر الزركشي كما تقدم النقل عنه ، ثم ساق النقول .
وقال في الرسالة الثالثة : وإذا تأمل حق التأمل مع تحكيم الشرع والخلو عن حظ النفس علم أن ما خالفه الغزالي مما عزي إليه وهو شديد الشبه بكلام المعتزلة والفلاسفة كذب عليه لا تصح نسبته على هذا الوجه إليه ، لأنه إن لم يكن عين ما نقل عن المعتزلة فهو شديد القرب منه عبارة ومعنى ، وانظر إلى عبارة الاحياء والإملاء واعرضهما على كلامه في غيرهما تراها نازعة إلى ما يوهم نقصا في حق اللّه البتة ، فإن رأيتها وكثيرا من جملها عين كلام المعتزلة الآخذين له عن الفلاسفة أو قريبة إليه جدا فأنفها عن الغزالي لبعدها عما مضى من كلامه ، فإن ذلك ممكن لأن الحساد كثير ولهم مكر كبير وكيد تكاد منه الجبال تسير ، وقد كذبوا على غيره ليمشوا باطلهم المقعد بحسن سيره ، وذلك أقعد في تنزيهه عنها وتبريته منها ، وإن رأيت أن تثبتها على وجهها وسياقها له من غير أن تجوز فيها تحريفا أو دسا يوجب زيفا أو لبسا ، ثم تؤول وترتكب وعرا صعبا حزنا وتعاسيف خشنا عليها تعول ، فافعل إن استطعت ذلك إلى أن قال : ولا تستوحش من قولي إن ذلك مدسوس عليه لأجل كثرة الكلام وطوله ، مع أن الاحياء شهير النسبة إليه فإني لم أعن بذلك الجميع ، بل هو دون خمسين كلمة وهي قوله في الجواهر : ليس ليكون الكلام إثباتا لإمكان الأبدع ، وقوله : ولو كان إلى القدرة ، وقوله : الواجب ، وقوله وليس في الامكان إلى قوله الإلهية ، إذا حذفت هذه الكلمات استقام الكلام ولم يبق فيه شيء إلا صيغة افعل ، وقد جرت العادة بالاتيان بها في سياق الاثبات على قصد المبالغة في المدح وإرادة معنى « من » والذي دلنا على إرادته المبالغة مع استلزام الحقيقة المحال وهو تناهي المقدورات قوله عقب ذلك في الدلالة عليه ، وأشار إلى وجه إثباتهما أي العلم والقدرة بأنه قادر على إبدائهم وإبداء ما هو أعظم خلقا وأعجب صنعا ، فهذا هو العذر عن