تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
شرح
فيه ؟ فقلت : ويحك إنها عقيدة أرأيت أن قال لك قائل هل يقدر ربنا على إيجاد أفضل من هذا الخلق ؟ فقال : أقول له إن مقدورات اللّه تعالى لا تتناهى فيقدر على إيجاد أفضل من هذا الخلق بألف درجة وأفضل من هذا الأفضل ، وهكذا إلى ما لا نهاية له . فقلت له : وقوله ليس في الامكان أبدع مما كان ينافي ذلك ، فتفطن عند ذلك لمعنى العبارة . وهكذا وقع لي مع كثير من الفقهاء ، فإذا سألتهم عن عبارة أبي حامد استشعروا جلالته فتوقفوا ، فإذا بدلت العبارة وعبرت بما سبق في سؤالنا للعامة جزموا بعموم القدرة وعدم نهاية المقدورات ا ه . قلت : لو تأمل السائل والمسؤول حق التأمل لعرفا أن العبارة المذكورة ليس فيها تعرض لنفي القدرة أصلا ، كيف وقد صرح باثباتها في الدليل حيث قال : ولو لم يكن قادرا كان عجزا يناقض الإلهية ، فكيف يقال عليه مع ذلك أنه نفى الدخول تحت القدرة وتبديل العبارة بسياق آخر غير مناسب خصوصا للعامة ، فإن التصرف في العبارات يغير المعاني ، وهم لو علموا أن مراد المصنف من سياق هذه العبارة في آخر مقام التوكل حث العبد على الثقة بمولاه والرضا بما قضاه اللّه ، حتى لا يأسى على شر أصابه ولا خير فاته لاستراحوا من القال والقيل ، ثم هذه المسألة لها طرفان : فطرفها الخارج في علم الكلام الذي هو من توابع علوم المعاملة إن صحت فيه النية ، وطرفها الداخل متصل بعلم كمال الإيمان الذي هو داخل في جملة علوم المكاشفة ، ومن ورائه سر القدر المنهي عن إفشائه كما أشار إليه المصنف في آخر السياق ، فالعلم بها من عالم الملكوت ولا يفهمها إلا من اطلع على هذا العالم ، ثم إن هذا المعترض لو تأمل ما أوردناه من الوصية المرضية لرجع إلى نفسه بالسكوت وتأدب مع اللّه تعالى ومع أهله وخاصته ، ومن العجب أن مثل حجة الإسلام يخاطب بمثل هذه العبارات ويقال له : إنك تنكر قدرة الباري وتنسب إليها العجز وتنسبه إلى البخل وتقول بوجوب الأصلح عليه ، أو تقول أنه قائل بقدم الزمان وما أشبه ذلك ، أتعلم أمك البضاع ودايتك الرضاع ، ولو سلموا لأهل التسليم سلموا . ثم قال سيدي أحمد بن مبارك : وكذا وقع له مثل هذه العبارة في مقاصد الفلاسفة ، وقد اختلف العلماء فيها على ثلاث طوائف : فطائفة أنكرتها وردتها ، وطائفة أوّلتها ، وطائفة كذبت النسبة إليه ونزهت مقامه عنها ، ثم ساق كلام ابن العربي شارح الترمذي الذي سقناه أوّلا ، ثم ذكر ابن المنير واعتراضه ، ثم ذكر كلام ابن أبي شريف في شرح المسايرة بعد أن ذكر أن في مقدورات اللّه تعالى ما هو أبدع من هذا العالم ما نصه : ثم إن ما في بعض كتب الأحياء ككتاب التوكل مما يدل على خلاف ذلك واللّه أعلم صدر عن ذهول ابتنائه على طريق الفلاسفة ، وقد أنكره الأئمة في عصره ا ه . قلت : كيف يكون هذا ذهولا من أبي حامد ، وقد ذكره في عدة كتبه كما تقدم تصريحا وتلويحا ، ومن شأن الذاهل ، انه إذا نبه عليه في ذهوله يتنبه ويرجع إلى الحق من غير تلعثم إذا كان منصفا قوّالا بالحق كما وقع في مسألة الدور ، فإنه لما أظهر له الحق رجع وصنف رسالة في الرد على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 113 | مرتضى الزبيدي