تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
شرح
قال الأطباء : ان الأمكنة الرديئة تصح في الأزمنة الوبيئة فتصح عند فساد الهواء وتفسد عند طيب الهواء ، فقد تكون دمشق في علم اللّه كذلك ، فعلم أن الأصلح لها حجب الريح الطيب عنها ، وقد تكون الحكمة في ذلك راجعة إلى الإرساء لأن الجبال لما خلقت لإرساء الأرض حين مادت فوضع كل جبل في مستقره لحكمة ، فلعله لو أزيل عن مكانه أخلّ بحكمة الارساء ، فإن الأبدع وضعه هنا وإن أدى إلى ضرر آخر من حبس الريح لأن مراعاة الأشد ضررا مقدمة على الأخف ، والحسن يترك لما هو أحسن منه ، والضرر يرتكب لدفع ما هو أشد ضررا منه . وقول المعترض : إن اللّه تعالى لا يجب عليه الأصلح . هذا مسلم ، ومن ادعى أنه واجب ، وإنما نقول إنه تعالى فعل الأبدع في مصنوعاته فضلا منه ومنّا لا وجوبا ، تعالى عن ذلك ، كما نقطع بأنه يدخل أهل طاعته الجنة فضلا منه لا وجوبا عليه ، ولو شاء لأدخلهم النار لكنه لا يفعل كرما منه ، فالحاصل أنا نقول : إن كل موجود على وجه يمكن إيجاده على عدة أوجه أخرى ، وأن القدرة صالحة لذلك غير أن الوجه الذي أوجده اللّه عليه أبدعها لعلم اللّه تعالى بوجه الحكمة فيه وإيجاده عليه ، ولا ننفي أن يوجد بعده ضده ونقول : إنه إذا وجد ضده في الزمن الثاني كان ذلك الضد في ذلك الزمان الثاني أبدع من الضد الأوّل ، فكل موجود أبدع في وقته من خلافه ، والمعترض فهم من الكلام أنه إذا حكم على موجود بأنه أبدع استمر ذلك الحكم فيه إلى يوم القيامة واقتضى ايجاد ضد أحسن منه بعد ذلك فالزم عليه الاشكال ، وهذا غلط محض بل المقصود أن كل ما أوجده اللّه في وقت فهو فيه أبدع من غيره وله أن يوجد غيره في وقت بعده ويكون ذلك الغير في ذلك الوقت أبدع من الامر الأوّل وهلم جرا ، فقد يوجد في اليوم الواحد أضداد كثيرة على سبيل التعاقب في كل ساعة منه ضد وكل واحد أوجد في ساعة أبدع فيها من غيره ، والذي أوجد في الساعة الثانية أبدع فيها من الذي أوجد في الأولى وهكذا ، وكل ذلك مناطه اعتبارا بحكمة اللّه في أفعال اللّه ، وعلى هذا لا إشكال البتة ولا يحتاج كلام حجة الإسلام إلى تأويل ولا صرف عن ظاهره ، ونحن نرى أناسا أقامهم اللّه في أسباب وهم يظنون أن غيرها أحسن حالا منها فلا يزالون حتى ينقلوا منها إلى غيرها ، فلا ينتظم لهم فيها أمر البتة ويعودون إلى شر ما كانوا عليه ويؤول أمرهم إلى العود إلى السبب الأوّل ، وبهذا يعرف كل ذي بصيرة أن الأبداع والأصلح في حق كل أحد ما أقامه اللّه فيه . فإن قلت : قد انتهى الكلام على الحكمة في أجزاء العالم دون حكمة كله ، كاشتماله على الضدية مثلا من حيوان وجماد ومتحرك وساكن بحيث يمتنع ايجاده وإيجاد غيره على غيرها . قلت : قد تولى اللّه تعالى تبيين حكمه ذلك في كتابه العزيز حيث قال :وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ الذاريات : 49 ] قال المفسرون : هذه إشارة إلى المتضادات المتقابلات من الأشياء كالليل والنهار ، والسماء والأرض ، والسواد والبياض ، والصحة والمرض ، والكفر والإيمان ، والهدى والضلالة ، والشقوة والسعادة ونحو هذا . وفي ذلك دلالتان : الأولى على أنه تعالى