شرح
إلا نهاية ما تقتضيه الحكمة فكان له أن يفعل ما هو حكمة وليس هو النهاية مما تقتضيه الحكمة .
وهذا هو الحق وهو لا يسأل عما يفعل وهو المختار في أفعاله ولا حدّ لحكمته ، كما أنه لا حدّ له هو تعالى جده وتقدس مجده ، ثم ذكر أنه لا ريب في أن اللّه تعالى قادر أن يجعل الجبال كلها ذهبا وعلى أن ينقل جبل قاسيون الذي حجب عن دمشق الريح الطيب من مكانه ويبدل به أشجارا وأنهارا ، وذكر أشياء من هذا النمط مما لو عرض على أدنى الطلبة لم يشك في صلاحية القدرة له فضلا عن عالم فضلا عن مثل حجة الإسلام ، ثم قال : غاية القول في هذا أن قائله ظن أن وجود الابداع محال غير داخل تحت القدرة وهو غالط في ذلك هذا حاصل ما ذكره في تهديم الأركان .
وقد رد عليه الحافظ السيوطي فأحسن وأجاد ، حاصله ما قدمنا أن النفي في كلامه ليس منصبا على إمكان وجود شيء غير الموجود إنما هو منصب على كونه أبدع من الموجود ، فنفي حجة الإسلام كون شيء مما يمكن وجوده أبدع مما وجد مع قطعه بصلاحية القدرة لإيجاده ، فقوله : إن في القدرة جعل الكافرين كلهم مؤمنين على الفطرة مسلم لا شك في صلاحية القدرة لذلك ، كيف وقد قال تعالى :وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً[ يونس : 99 ] لكن المنفي كون ذلك لو وقع أبدع ، والمدعي أن ما صنعه اللّه من جعل الناس قسمين مؤمنين وكفارا أبدع من حيث الحكمة ، وكذا انقسامهم إلى طائعين وعصاة أبدع من جعلهم طائعين ، وهذا هو سر القدر الذي ورد النهي عن كشف سره ، وقد لحظ فيه من حيث الحكمة أنه لولا الكفر لم يعرف مقدار الإيمان ، ولولا المعصية لم يعرف مقدار الطاعة ، ولولا النار لم يعرف مقدار الجنة ؛ فهذا بعض أسرار كونه أبدع ، وكذا نقول : إنه سبحانه قادر على جعل الناس كلهم أصحاء وأغنياء وذوي حسن وجمال ، لكن جعلهم متفاوتين أبدع .
وقول المعترض في قدرة اللّه أن يجعل الجبال ذهبا مسلم ذلك وأكثر منه ، وقد عرض على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك ، لكن الابداع ما صنعه ، ولو كانت الجبال كلها ذهبا لتعطل الوجود وترك الناس لزراعة وسائر وجوه المعيشة فيؤدي إلى هلاكهم ، وهذا هو السر في انقسام الناس إلى زاهد وحريص ووضع الأمل والرغبة في الدنيا ، ولو كان الناس كلهم زهادا ولا آمال لهم لتركوا المعايش والمتاجر والأسفار وجلب الأمتعة من البلاد القاصية فلم ينتظم للناس أمر المعيشة فكان صنع اللّه أبدع ، وأيضا فلو كانت الجبال كلها ذهبا لاقتتلوا عن آخرهم كما يقع لهم حين يحسر الفرات عن كنز من ذهب كما في الحديث ، ولما كان ذلك الأمر في ذلك الوقت أبدع لاقتراب الساعة أوجده اللّه حينئذ .
وقول المعترض : إن في قدرة اللّه إزالة جبل قاسيون الخ هذا مسلم ، كيف وذلك كائن لا محالة قرب الساعة ، كما قال تعالى :وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ[ الكهف : 47 ] لكن اثباته الآن أبدع من ازالته وإن كان حاجبا للريح الطيب عن دمشق ، فلعل الباري سبحانه علم بحكمته أن الأصلح لهذه البلدة حجب الريح الطيب عنها ولا يستنكر ذلك ، فرب أمزجة لا يصلح لها شم الريح الطيب ، وقد