شرح
وممن نقل عنه الانكار إما عموما وإما خصوصا التقي ابن الصلاح ، ويوسف الدمشقي ، وابن الجوزي ، والتقي السبكي ، وابن قيم الجوزية ، والحافظ الذهبي ، وقد ذكر في تاريخ الإسلام الانكار عليه من جماعة من الأئمة ، وممن جاء بعد هذه الطبقة الإمام بدر الدين الزركشي فقد قال في تذكرته حين ساق هذه العبارة : هذه من الكلمات العقم التي لا ينبغي إطلاق مثلها في حق الصانع ، هكذا نقله غير واحد ، وله في توجيه الكلام أجوبة سيأتي ذكرها بعد .
وممن جاء بعد هذه الطبقة بكثير فتعصب عليه وطعن البرهان : إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعى الشافعي أحد تلامذة الحافظ ابن حجر فقد صنف ثلاث رسائل في الرد عليه . إحداها :
« المقصد العالي في ترجمة الإمام الغزالي » مدحه في أوّله وأطال فيه ثم تعرض للرد عليه في هذه المسألة ، والثانية : « تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان » . والثالثة : « دلالة البرهان على أن في الامكان أبدع مما كان » ، وكل من الثلاثة عندي . قال في الثانية : وبعد ؛ فهذا كتاب سميته تهديم الأركان من ليس في الامكان أبدع مما كان أرد فيه كلام بعض الفلاسفة القائلين بالوحدة المطلقة بهذه العبارة التي عنوا بها أن اللّه جلت قدرته لا يمكنه أن يوجد شيئا أبدع من هذا الذي كان من هذا الكون الذي نشاهد ما نشاهد منه ونعلم ما غاب عنا بإعلام الرسل عليهم السلام ، لأن ذلك على زعمهم من قبيل المحال فلا تتعلق به القدرة لانصراف الإرادة عنه ، لأن من شأنها أن لا تتعلق بالمحال ، وهذا يشبه أن يكون قول من يقول : إن الاله يفعل بالذات لا بالاختيار وهو قول باطل يلزم عليه قدم العالم بالزمان ، أو انه قول من يقول بقدم العالم بالذات حتى لا يكون شيء سوى هذا الوجود المشهود إنما هو على زعمه أرحام تدفع وأرض تبلع ، وهو قول أهل الطبيعة القائلين بأن حوادث هذا العالم علتها امتزاج هذه العناصر بعضها من بعض وهو أبطل من الأوّل ، أو قول من يقول بأنه تعالى يجب عليه رعاية الأصلح ، وقد تظافر أهل السنّة على رده واغترّ بقولهم هذا بعض الناس وأكد غرورهم بهذه المقالة أن أخذها الإمام حجة الإسلام وأودعها بعض كتبه ، وهو الإمام الذي لا مطعن في دينه ولا علمه ، ولم يقصد بها إن صحت عنه إلا خيرا غير أنه ليس بمعصوم وهي زلة منه ، وقد رد عليه صناديد العلماء في أشياء كثيرة من أحاديث موضوعة وأقوال مرذولة . أما نقله لهذه العبارة فقال في كتابه المسمى بالجواهر والأربعين في أصول الدين وفي الأحياء ، ثم ساق عبارة الأخيرين ولم يسق عبارة الجواهر كأنه لم يطلع عليه ، وقد سقناه نحن آنفا ، وهذه العبارة في موضعين منه ، ثم قال : وهو من المواضع التي اعترض عليه فيها في حياته فأجاب كما عزى إليه إن صح ذلك عنه في كتاب اسمه ( الاملاء على الاحياء ) فقال ما نصه فساقه الخ - كما سنذكره بعد .
ثم قال : انتهى جميع ما وقفت عليه من كلامه على هذا المعنى حسبما عزي إليه واللّه أعلم بحقيقة الحال ، هل هو كلامه أو مدسوس عليه كما ظننته قبل إطلاعي على هذه النقول ، كما دس عليه بعض المجرمين كتبا كاملة كانية على ذلك ليتوصل ذلك المفسد بذلك إلى تمشية فساده ، إما بالطعن في هذا الأستاذ ، وإما بتمشية ما في تلك الكتب من فاسد الاعتقاد هذا ، وما تضمنته هذه